كشفت دراسة حديثة نشرها معهد تشاثام هاوس، أن الاحتجاجات التي قادتها حركة شبابية هندية تُعرف باسم "حزب جاناتا الصراصير" (CJP) نجحت في انتزاع تنازلات من الحكومة، بعد أسابيع من التظاهرات التي اندلعت على خلفية فضيحة تسريب امتحانات القبول في كليات الطب، لكنها حذرت من أن الأسباب العميقة للاحتقان الشعبي لا تزال قائمة.
ووفقًا للدراسة، بدأت الحركة كحملة ساخرة على الإنترنت احتجاجًا على تصريحات وُصفت بالمسيئة للشباب، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاجية واسعة بعد تسريب أسئلة الامتحانات الطبية التي تقدم لها أكثر من مليوني طالب، وما تبع ذلك من إلغاء الامتحانات وإعادة جدولتها، في ظل تقارير عن حالات انتحار ارتبطت بالأزمة.
وأشارت الدراسة إلى، أن الاحتجاجات، التي انطلقت قرب البرلمان في نيودلهي ثم امتدت إلى ولايات أخرى، دفعت الحكومة إلى الاستجابة لمطالب المحتجين، بما في ذلك استقالة وزير التعليم، وفتح تحقيقات في قضية التسريبات، والتعهد بإصلاح نظام الامتحانات.
ورغم انحسار التظاهرات بعد تحقيق مطالبها المباشرة، ترى الدراسة أن الأزمة كشفت عن مشكلات هيكلية أعمق، أبرزها ضعف نظام الامتحانات المركزي، وارتفاع معدلات بطالة الشباب، وتراجع الفرص الاقتصادية أمام الخريجين.
وأوضحت، أن تسريب الامتحانات لم يكن حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة من الاختراقات التي طالت اختبارات التوظيف والخدمة العامة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن كفاءة منظومة التعليم وآليات التقييم في البلاد.
ولفتت إلى، أن الهند تضم واحدة من أكبر الفئات الشابة في العالم، في وقت يواجه فيه الملايين صعوبة في الحصول على فرص عمل، الأمر الذي ساهم في تصاعد مشاعر الإحباط، وأثر في المزاج العام قبيل الانتخابات الأخيرة التي شهدت تراجعًا في شعبية الحزب الحاكم مقارنة بالتوقعات.
وأضافت الدراسة، أن الضغوط الاقتصادية، بما في ذلك تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد الهندي وتراجع قيمة العملة، أسهمت في تعميق حالة السخط بين الشباب.
ورغم المقارنات مع الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بحكومات في سريلانكا وبنغلاديش ونيبال خلال السنوات الماضية، استبعدت الدراسة أن تشهد الهند سيناريو مشابهًا، مشيرة إلى أن الحكومة المركزية لا تزال تتمتع بقاعدة سياسية قوية، فيما تفتقر المعارضة إلى جبهة موحدة قادرة على استثمار الاحتجاجات سياسيًا.
وبيّنت أن الحركات الشعبية أصبحت وسيلة متزايدة للتعبير عن الاعتراض على السياسات الحكومية، كما حدث سابقًا في احتجاجات المزارعين والمعارضة لقانون تعديل الجنسية، إلا أن تحويل هذا الزخم إلى قوة انتخابية وطنية لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا.
ورأت الدراسة أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي أظهر قدرة على احتواء الأزمة عبر الجمع بين الإجراءات الأمنية والاستجابة السياسية، إذ تعهد بمحاسبة المسؤولين عن تسريب الامتحانات، ودعم إعداد تشريعات جديدة وتشكيـل لجنة متخصصة لإصلاح منظومة الاختبارات.
وخلصت إلى أن الاحتجاجات تركت أثرًا سياسيًا واضحًا، ومن المرجح أن تدفع الحكومة إلى توخي مزيد من الحذر في التعامل مع الملفات الخلافية خلال المرحلة المقبلة، إلا أنها لن تشكل، في المدى المنظور، تهديدًا مباشرًا لاستمرار الحزب الحاكم في السلطة، بل ستبقى عامل ضغط يدفعه إلى مراجعة بعض سياساته.
أضف تعليقاً