بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العالم

صور | حرب تتسع خارج السيطرة.. إيران وأمريكا تعيدان إشعال المواجهة ومضيق هرمز في قلب العاصفة

خاص النبأ: دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد، مع تجدد المواجهات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتساع نطاق الهجمات إلى دول أخرى في المنطقة، فيما باتت تداعيات الحرب تمتد من المنشآت العسكرية وممرات الطاقة إلى الحسابات السياسية والأمنية داخل العراق، وصولاً إلى العائلات العسكرية الأمريكية التي تواجه موجة متصاعدة من القلق والضغط النفسي.

وتستعرض وكالة النبأ الخبرية في هذا التقرير أبرز التطورات والمعطيات المرتبطة بالتصعيد، استناداً إلى المعلومات الواردة في المصادر التي تابعتها، مع إبقاء مواقف الأطراف منسوبة إلى أصحابها.

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية في وقت مبكر من صباح الخميس أنها شنت موجة جديدة من الضربات على إيران، رداً على هجمات إيرانية استهدفت أصولاً عسكرية أمريكية في المنطقة.

وقالت القيادة إن الضربات طالت مراكز قيادة عسكرية ومنشآت للصواريخ والطائرات المسيرة ومواقع للمراقبة والدفاع الساحلي وقدرات بحرية.

وجاء التصعيد الأمريكي بعد إطلاق إيران صواريخ باليستية باتجاه القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يوم الأربعاء، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف مواقع عسكرية أمريكية في الأردن.

وأعلن الجيش الأردني لاحقاً إسقاط خمسة صواريخ أطلقت من إيران، من دون أن تعلن طهران مسؤوليتها عن الهجوم بصورة علنية.

وبحسب ما رصدته وكالة النبأ الخبرية، أنهت المواجهات الجديدة هدنة استمرت أياماً بين واشنطن وطهران، وأعادت إلى الواجهة مخاوف اتساع الصراع ليشمل مزيداً من الدول.

مصر تدخل دائرة الخطر

للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في فبراير، أعلنت السلطات المصرية تعرض البلاد لهجوم.

وقالت القاهرة إن انفجاراً وقع في أحد موانئها في اليوم السابق نجم عن طائرة مسيرة مجهولة، فيما تسبب الهجوم في اندلاع حريق على متن سفينتين، إحداهما ناقلة غاز مملوكة للولايات المتحدة.

وأعلنت السلطات المصرية فتح تحقيق شامل، وتعهدت باتخاذ "الإجراءات اللازمة لحماية مصالح مصر وأمنها القومي".

وخلال مؤتمر صحفي في المكتب البيضاوي، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مسؤولية إيران عن الهجوم، لكنه لم يقدم تفاصيل، وقال إن الولايات المتحدة "ستضربهم بقوة شديدة".

ولم تعلن إيران مسؤوليتها عن الهجوم على الميناء المصري.

ويمثل استهداف ميناء دمياط، وفق المعطيات التي تابعتها وكالة النبأ الخبرية، تطوراً مهماً لأنه أول هجوم يُبلغ عنه داخل مصر منذ بدء الحرب، الأمر الذي يضع القاهرة أمام احتمال الانخراط بصورة أوسع في تداعيات الصراع.

السعودية تدخل الحرب بصورة مباشرة

في تطور آخر، أقرت السعودية للمرة الأولى بتورطها المباشر في الحرب، بعد مشاركتها القوات الأمريكية في ضرب فصائل مدعومة من إيران داخل العراق يوم الأربعاء.

وجاءت الضربات بعد سلسلة من هجمات الطائرات المسيرة استمرت 72 ساعة واستهدفت، وفق الجيش الأمريكي، القوات الأمريكية والبنية التحتية للطاقة السعودية، وانطلقت من الأراضي العراقية.

وأدت الضربات المشتركة إلى مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً، وفق المعطيات الواردة.

لكن مصدر الهجمات التي استهدفت السعودية ظل غير محسوم. فلم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، كما نفت الفصائل العراقية المتحالفة مع إيران علناً مسؤوليتها.

وقال صباح النعمان، المتحدث باسم قائد الجيش العراقي، إن الضربات الأمريكية السعودية "عرقلت جهود التحقيق بشأن استهداف السعودية المزعوم"، مطالباً بأدلة تثبت أن الهجمات انطلقت من العراق، ومشيراً إلى أنه لم يتم تقديم أي دليل حتى الآن.

العراق بين واشنطن وطهران

يمثل العراق إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية، بسبب علاقاته المتشابكة مع الولايات المتحدة وإيران.

وعلى مدى أشهر، سعت الحكومة في بغداد إلى ضبط الفصائل المسلحة المدعومة من إيران والتي تعمل داخل الأراضي العراقية، في وقت واجهت فيه ضغوطاً من إدارة ترامب لإخضاع هذه الجماعات لسيطرة الدولة ونزع سلاحها وقطع مصادر تمويلها.

لكن الضربات الأمريكية والسعودية الأخيرة هددت بتقويض هذه الجهود، ووفرت، بحسب المعطيات التي أوردتها وكالة النبأ الخبرية، للفصائل المتحالفة مع إيران مبرراً جديداً للتمسك بسلاحها والتأكيد على أنها قادرة على حماية سيادة البلاد.

وفي المقابل، شكك سياسيون عراقيون في جدوى الهجوم، وقالوا إنه جرى، بحسب موقفهم، من دون تنسيق مع حكومة بغداد.

وتعهد مجلس الأمن القومي العراقي بمحاولة ضبط الفصائل بنفسه، وأدان انتهاك الولايات المتحدة والسعودية للسيادة العراقية، محذراً من أن الغارات قد تؤدي إلى مزيد من الفوضى.

معادلة عراقية أكثر تعقيداً

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، واجهت بغداد معضلة تحقيق التوازن بين الولايات المتحدة، حليفتها القوية، وإيران، جارتها ذات النفوذ الإقليمي.

ودعمت إيران فصائل من الأغلبية الشيعية في العراق خاضت مواجهات مع القوات الأمريكية، كما ساهمت القوات المدعومة من إيران في صراعات طائفية استمرت سنوات قبل أن تهدأ في الفترة الأخيرة.

وخلال العام الماضي، ازدادت الضغوط الأمريكية على بغداد لكبح الفصائل المرتبطة بإيران، بينما حولت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير العراق إلى إحدى ساحات الصراع.

وقال الجيش الأمريكي إن الضربات المشتركة مع السعودية جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيرة استمرت 72 ساعة واستهدفت القوات الأمريكية والبنية التحتية للطاقة السعودية انطلاقاً من العراق.

لكن غياب جهة معلنة لتبني تلك الهجمات أبقى الرواية محل خلاف، خصوصاً أن الفصائل العراقية المتحالفة مع إيران نفت مسؤوليتها عنها.

فصائل عراقية تعيد حساباتها

التزمت الفصائل العراقية هدوءاً نسبياً خلال الشهر الماضي، رغم تجدد الحرب، في الوقت الذي سعى فيه رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، إلى الاستجابة لمطالب إدارة ترامب بشأن نزع سلاح الجماعات الموالية لإيران.

وخلال السنوات الأخيرة، بدا أن بعض هذه الجماعات أصبح أكثر استقلالاً عن إيران، مع تراكم نفوذها السياسي والاقتصادي عبر تشكيل أحزاب سياسية والحصول على مناصب وعقود حكومية عراقية.

لكن ريناد منصور، المحلل المختص بالشأن العراقي في معهد تشاتام هاوس، قال إن الحرس الثوري الإيراني كثف تدخله في نشاط الفصائل العراقية خلال الأشهر الأخيرة، وإن الحرب مع الولايات المتحدة دفعت إيران إلى توسيع نفوذها عليها.

وبعد الضربات الأخيرة، ظهرت مؤشرات على وجود إيراني داخل بعض المواقع المستهدفة. فقد أظهرت صور نشرتها وكالة صابرين نيوز خمسة توابيت ملفوفة بالأعلام الإيرانية خلال موكب جنائزي يوم الأربعاء.

وقال قائد فصيل عراقي، في تصريح خاص، إن القتلى كانوا مستشارين عسكريين إيرانيين قتلوا في مقر استخباراتي تابع للواء 24 من قوات الحشد الشعبي، وهي شبكة فصائل خاضعة لسيطرة الحكومة.

مهلة للحكومة وتهديد بالرد

أدت الضربات إلى تصاعد الضغط الشعبي والسياسي على الفصائل للاستجابة لدعوات نزع السلاح، لكنها في الوقت نفسه وضعت الحكومة العراقية أمام اختبار أكثر صعوبة.

وفي بيانات عامة مشتركة، انتقدت فصائل موالية لإيران الحكومة بسبب مطالبتها بنزع سلاحها، في وقت لم تتمكن فيه من منع ما وصفته بانتهاكات للسيادة العراقية.

ومنحت هذه الجماعات الحكومة مهلة حتى يوم الثلاثاء لاتخاذ إجراء حاسم، محذرة من أنها ستتحرك بنفسها إذا لم تتخذ بغداد إجراءات، من دون توضيح طبيعة تلك الإجراءات.

وجاء في بيان لها: "ردنا على العدو الأمريكي حتمي وسيأتي لا محالة، وقد نستهدف أدواته في السعودية إذا اقتضت الظروف ذلك".

وقال اثنان من قادة الفصائل العراقية في أحاديث خاصة إن المهلة تمثل تحدياً للحكومة، معتبرين أن المسؤولين العراقيين لا يستطيعون اتخاذ إجراءات قسرية ضد الولايات المتحدة أو السعودية.

ولا تتحرك جميع الفصائل العراقية وفق أجندة واحدة، إذ تميل بعض الجماعات إلى مواقف أكثر تصادمية من غيرها.

وقال ريناد منصور إن العمليات الأمريكية والإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة التي استهدفت عدداً من قادة هذه الجماعات جعلت من الصعب تتبع أنشطتها.

وأضاف أن الفصائل العراقية أصبحت "متشرذمة بشكل كبير"، وأن الحرب زادت من هذا التشرذم، معتبراً أن تصاعد الضربات الأمريكية قد يؤدي إلى تفكك أكبر في سلاسل القيادة والهياكل التنظيمية، وظهور جماعات وأعمال أكثر خروجاً عن القانون.

أما رمزي مارديني، مؤسس شركة "جيوبول لابز" الاستشارية المتخصصة بالمخاطر الجيوسياسية، فقال إن إيران اعتمدت لعقود على دعم انتشار جماعات مسلحة تعمل على إخفاء هوية الجهة التي تنفذ الهجمات.

وأضاف أن السعودية قد تكون الدولة الأكثر عرضة للخسائر نتيجة هذا التصعيد، محذراً من قدرة الجماعات المرتبطة بإيران في العراق على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية للطاقة السعودية.

الحوثيون يفتحون جبهة أخرى

في اليمن، أعلن الحوثيون، وهم جماعة مسلحة مدعومة من إيران وتسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، حصاراً رسمياً على السعودية، ونفذوا هجمات متكررة على ناقلات النفط السعودية.

كما أعلنوا مسؤوليتهم عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت الطاقة السعودية، بما في ذلك في اليوم الذي اتهمت فيه السعودية الفصائل العراقية بتنفيذ هجمات ضدها.

ويضيف هذا المسار جبهة أخرى إلى الصراع، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها منع امتداد الحرب إلى مزيد من المناطق الحيوية للطاقة والملاحة.

مضيق هرمز.. العقدة التي تهدد أسواق الطاقة في الوقت نفسه، بقي مضيق هرمز في قلب الأزمة.

فالممر المائي الذي يمثل طريقاً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية أصبح عملياً مغلقاً أمام حركة الملاحة الطبيعية بسبب الحرب، فيما تواجه السفن التي تحاول العبور مخاطر كبيرة.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني فجر الخميس اندلاع حريق في ناقلة نفط كانت تحاول عبور المضيق عبر ممر غير مصرح به، لكنه لم يوضح ما إذا كان الحريق ناجماً عن هجوم.

وتسعى الضربات الأمريكية في منطقة المضيق إلى إعادة فتح الممر المائي الدولي، لكن استمرار المخاطر أدى إلى ارتفاع أسعار النفط منذ بداية الحرب.

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، وفق مسؤولين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، إنه في حال عدم استئناف عمليات عسكرية كبرى ضد إيران، فإن الولايات المتحدة ينبغي أن توقف حملة القصف حول مضيق هرمز لأنها وصلت إلى حد فعاليتها.

وتهدف واشنطن، وفق المعطيات التي تابعتها وكالة النبأ الخبرية، إلى إعادة فتح الممر بطريقة لا تبدو معها الولايات المتحدة وكأنها خرجت من الصراع خاسرة.

لكن استمرار توقف حركة الملاحة، سواء بسبب هجمات محتملة على ناقلات النفط أو بسبب مخاوف شركات التأمين بشأن سلامة السفن، يعني استمرار الضغوط على أسعار النفط.

وقالت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "طالما بقيت قضايا مثل من يسيطر على مضيق هرمز دون حل، ناهيك عن المخاوف المتعلقة بطموحات إيران النووية وغيرها من الدوافع الأولية للحرب، فإن دورة الأعمال العدائية والهدنات المؤقتة ستستمر".

واشنطن أمام معضلة عسكرية وسياسية

كان الرئيس ترامب قد رفض خلال عطلة نهاية الأسبوع العودة إلى حرب شاملة، لكنه وجد نفسه مجدداً في قلب الصراع بعد إطلاق إيران صواريخ على قواعد أمريكية في الأردن مساء الثلاثاء.

واعترض الجيش الأمريكي الصواريخ، لكن الهجوم أعاد الإدارة الأمريكية إلى دائرة التصعيد.

وأعلن ترامب لاحقاً أن الولايات المتحدة ستضرب إيران "بقوة شديدة"، في وقت كانت فيه إدارته تواجه سؤالاً أصعب: كيف يمكن إنهاء الحرب من دون توسيعها أكثر؟

وقال ولي نصر، الأستاذ في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، إن ترامب اعتقد عندما بدأ الحرب أنه قادر على السيطرة عليها، لكن الرد الإيراني وسّع نطاق المعركة وأجبر الولايات المتحدة على الدفاع عن جبهة أكبر.

ويرى خبراء أن إيران تسعى إلى إثبات أنها لن تنتظر حتى تختار الولايات المتحدة أو إسرائيل توقيت الهجوم، بل تحاول أخذ زمام المبادرة أو إبقاء واشنطن وتل أبيب في موقع الدفاع.

استنزاف الدفاعات

أعد القادة العسكريون الأمريكيون خطة لترامب تتضمن حملة قصف جديدة تستمر عدة أيام، ونقلت القوات الأمريكية طائراتها إلى إسرائيل استعداداً لها، ولا تزال تلك الطائرات متمركزة هناك في حال قرر ترامب تغيير موقفه.

وخلال مناقشات الخطة، حذر الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، من أن استئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران ممكن، لكنه قد يؤدي إلى استنزاف خطير للطائرات الاعتراضية المتاحة للقيادة المركزية الأمريكية.

وفي المقابل، بدا ترامب متردداً بشأن كلفة العمليات الكبرى على المدنيين الإيرانيين، ولا سيما إذا شملت البنية التحتية مثل الجسور ومحطات الطاقة.

وفي مقابلة مع قناة فوكس، قال ترامب: "ومن أؤذي هناك؟ أنا أؤذي الناس. لذلك لا أسعى إلى فعل ذلك".

لكن التناقض بين هذا الموقف وتعهداته بضرب إيران بقوة جعل الاستراتيجية الأمريكية تبدو غير واضحة.

الدبلوماسية تبحث عن نافذة

في الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية، بدا ترامب عازماً في الآونة الأخيرة على إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

وتعمل دول بينها باكستان وقطر على التحضير لاستئناف المحادثات.

لكن الخبراء يشككون في طبيعة الاتفاق الذي يمكن التوصل إليه، خصوصاً مع تغير الأولويات الأمريكية التي كانت مطروحة في بداية الحرب.

ففي البداية شملت الأهداف القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف قدرات إيران الصاروخية، والحد من نفوذ القوات المتحالفة معها.

وقال كامبل إن مبررات الحرب تغيرت بصورة كبيرة خلال الأشهر الماضية، مشيراً إلى أن البرنامج النووي أصبح الموضوع الأكثر حضوراً في الخطاب الأمريكي.

وبالنسبة إلى ترامب، باتت إعادة فتح مضيق هرمز الهدف الأهم، ولكن من دون أن تبدو النتيجة وكأنها خسارة أمريكية.

إيران الجديدة

تعود بعض تعقيدات المرحلة الحالية، وفق التحليلات الواردة في المعلومات التي جمعتها وكالة النبأ الخبرية، إلى التغير الذي طرأ على القيادة الإيرانية خلال الحرب.

فقد اغتيل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، في الضربة الافتتاحية لهجوم إسرائيلي استند إلى معلومات استخباراتية أمريكية.

وخلفه ابنه مجتبى خامنئي، الذي يوصف بأنه أكثر تشدداً وأقل ميلاً إلى النهج الحذر الذي اتبعه والده.

وخلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية، وفق المعطيات، إلى أن مجتبى خامنئي أكثر انفتاحاً على امتلاك سلاح نووي من والده الذي رفض استخدامه منذ فترة طويلة.

كما أن قادة النظام السابق الذين قُتل معظمهم خلال الحرب كانوا، وفق التحليل الوارد، ينسقون الهجمات الانتقامية بطريقة تهدف إلى الحفاظ على ماء الوجه داخلياً مع تجنب تصعيد المواجهة مع الولايات المتحدة.

وقال ولي نصر إن ذلك يمثل نهج "خامنئي القديم"، بينما يسعى القادة الإيرانيون الجدد إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها بهدف ردع أي حرب مستقبلية ضد إيران.

لا نهاية واضحة

وصف نيكولاس هوبتون، السفير البريطاني السابق لدى إيران وقطر واليمن، الصراع الممتد منذ خمسة أشهر بأنه "مغامرة فاشلة" لا يمكن حسمها بالوسائل العسكرية وحدها.

وقال هوبتون، الذي يعمل زميلاً متميزاً في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية في لندن، إن الرئيس الأمريكي لم يحسم حتى الآن ما إذا كان يريد حلاً تفاوضياً أو محاولة الوصول إلى حل عسكري، مضيفاً أن المراقبين الذين يعرفون الوضع في إيران والخليج يرون أن الحل العسكري وحده من غير المرجح أن ينجح. وبذلك تبدو الحرب عالقة بين مسارين: تصعيد عسكري لا يوفر نهاية واضحة، ومسار دبلوماسي لم يستعد زخمه بعد.

الحرب تصل إلى العائلات الأمريكية

لا تتوقف آثار الصراع عند ساحات القتال. فقد أبلغ أكثر من 80 بالمائة من العائلات العسكرية الأمريكية عن ارتفاع مستويات التوتر بسبب الحرب مع إيران، وفق استطلاع أجرته منظمة "بلو ستار فاميليز" في مارس الماضي وشمل نحو 200 عائلة.

وتتركز المخاوف حول السلامة، وتغييرات الانتشار العسكري، واحتمالات التصعيد.

ويأتي ذلك في وقت أودت فيه الحرب بحياة ما لا يقل عن 18 جندياً وأصابت أكثر من 400 آخرين، وفق المعطيات التي أوردتها وكالة النبأ الخبرية نقلاً عن المعلومات الواردة في المادة المصدر.

وقالت هانا سيمز، مؤسسة شركة "رايز ألون ثيرابي"، التي تقدم العلاج عن بعد للعسكريين وعائلاتهم، إن عدد الحالات التي تتعامل معها تضاعف ثلاث مرات، مضيفة أن الجميع تقريباً يعيشون حالة من التوتر.

وكانت العائلات قد تلقت في بداية الحرب انطباعاً بأنها ستكون قصيرة، بعدما قال ترامب في بداية مارس إن القتال قد يستمر أربعة إلى خمسة أسابيع.

لكن بعد خمسة أشهر، تجددت الحرب عقب انتهاء وقف إطلاق النار وأسبوعين من القصف، وأغلق مضيق هرمز مرة أخرى، وارتفعت أسعار البنزين إلى أكثر من أربعة دولارات للغالون، فيما توقفت الجهود الدبلوماسية ولم تبدُ الجولة الأخيرة من الهجمات الأمريكية قادرة على ردع إيران.

أطفال ينتظرون آباءهم

بالنسبة إلى بعض الأسر العسكرية، تحول القلق إلى اضطراب يومي. فقد بدأت مشكلات سلوكية تظهر على طفل في الرابعة بعد مغادرة والده إلى الحرب، بينما تعاني زوجة يعمل زوجها في الاستخبارات العسكرية من قلق متزايد رغم عدم نشره في مهمة.

وفي حالة أخرى، عادت إلى امرأة مشاعر مرتبطة بصراع قديم بعد نحو 20 عاماً من فقدان خطيبها في القتال.

وقالت منظمة "بلو ستار فاميليز" إن مخاوف العائلات لا ترتبط فقط بالخطر المباشر، بل أيضاً بتغيرات الانتشار والخوف من اتساع الحرب.

وأكد مسؤولون عسكريون وجود خدمات متنوعة للاستشارة والدعم، من بينها خدمة"Military OneSource"، التي تعمل على مدار الساعة وتوفر دعماً مجانياً وسرياً.

وقالت إليشا بوينتي، وهي أم لأربعة أطفال، إن زوجها نُشر في فبراير ضمن عملية "الغضب الملحمي".

وأضافت أن زوجها، وهو جندي في وحدة مدفعية تابعة لسلاح مشاة البحرية، يتصل بالأسرة مرة كل ثلاثة أسابيع تقريباً، ولا يملك هاتفه الشخصي، ويستخدم هاتفاً يعمل بالأقمار الصناعية في القاعدة لإجراء المكالمات، وغالباً ما ينتظر دوره وسط جنود آخرين.

وأدى انقطاع التواصل إلى اضطراب أطفالها الذين تتراوح أعمارهم بين 11 شهراً و12 عاماً.

وحاولت بوينتي مساعدة أطفالها على التأقلم عبر الاحتفاظ بدمى وملصقات لزوجها في المنزل، ومشاهدة مقاطع فيديو له، ولا سيما تلك التي يظهر فيها وهو يسبح مع السلاحف.

كما بدأت العلاج النفسي لمساعدتها في التعامل مع غيابه، وطلبت استشارة نفسية لابنها البالغ من العمر أربع سنوات، الذي كان على قائمة الانتظار.

وقالت: "كنت أعرف فقط أنه قد حان الوقت لطلب المزيد من المساعدة له".

الحرب تعيد إحياء أحزان قديمة

بالنسبة إلى كيلسي سميث، البالغة 35 عاماً، لم يكن وجود زوجها داخل الولايات المتحدة كافياً لمنع التأثير النفسي للحرب.

بدأت سميث جلسات استشارة نفسية الشهر الماضي بسبب الضغط الناجم عن الحرب، وقالت إنها واجهت صعوبة في السيطرة على مشاعرها وكانت تنفجر غضباً لأسباب بسيطة.

وقالت إن العلاج ساعدها، لكنها أضافت: "أنا لست أفضل حالاً".

زوجها ضابط استخبارات في الجيش ويدعم عمليات الشرق الأوسط من قاعدة في شمال شرق الولايات المتحدة.

وقالت إن عمله لساعات طويلة دفعها إلى البحث عن وسيلة لتخفيف التوتر، فبدأت تجميع مجموعة ليغو مكونة من نحو 1700 قطعة.

وأضافت أنها تشعر أحياناً بالذنب لأنها ترى حجم الضغط الذي يتعرض له زوجها، وتعتقد أنها لا تبذل الجهد نفسه.

ويمتد القلق أيضاً إلى قدامى المحاربين الذين يخدم أبناؤهم في الجيش. إريك دورنر، وهو جندي مخضرم من ولاية ويسكونسن، عاد ابنه بريندن، البالغ 27 عاماً، مؤخراً إلى الولايات المتحدة بعد مهمة استمرت 13 شهراً في الشرق الأوسط برتبة رقيب.

وينتهي عقد الابن رسمياً في بداية أغسطس، لكن يمكن استدعاؤه مجدداً خلال السنوات الثلاث التالية.

وقال دورنر إن الأمر صعب لأنه يعرف أن ابنه عاش تجارب مؤلمة، مضيفاً أنه هو نفسه عانى كجندي سابق، رغم اعتقاده أن ابنه مر بتجارب أكثر قسوة.

أما كايل هاربر، مستشارة الاتصالات في برنامج لمساعدة ضحايا المآسي يربط الأشخاص الذين فقدوا أحباءهم في الجيش، فقد بدأت قبل ثلاثة أشهر علاجاً نفسياً للتعامل مع الصدمة والحزن.

وتعود قصتها إلى عام 2007، عندما استجاب خطيبها، الرقيب أول في الجيش مايكل هولندر، لبلاغ عن انفجار عبوة ناسفة على جانب الطريق في العراق.

كان هولندر مسعفاً، واقترب من الموقع لتقديم المساعدة، لكنه داس على عبوة ناسفة أثناء خروجه من مركبته، وتوفي متأثراً بإصابته أثناء نقله إلى أقرب مستشفى عسكري.

وتقول هاربر إنها أمضت ما يقرب من عقدين في محاولة التعافي من فقدان شكّل جزءاً من حياتها، ولا تزال ترتدي خاتم الخطوبة الذي أهداها إياه هولندر في يدها اليمنى. كما أكملت سباقين كاملين من سباقات الرجل الحديدي تكريماً له.

وعندما تسمع عن قتلى عسكريين، سواء في القتال أو أثناء التدريب، تقول إنها تشعر دائماً بوخزة حزن لأنها تعرف حجم الألم الذي ستعيشه عائلاتهم.

وقالت: "أنظر إلى الوجوه وأقرأ أسماء الأشخاص الذين خدموا وماتوا لأنني أردت أن يقوم شخص ما بذلك من أجل مايك".

وعادت هاربر إلى العلاج النفسي لمواجهة ما وصفته بـ"طبقات الخسارة"، مؤكدة أن العودة إلى الحديث عن تلك التجربة لم تكن سهلة.

وقالت: "كان من الغريب العودة والتحدث عن بعض هذه الأمور، لكن العالم بدا وكأنه أمر يفوق طاقتي مرة أخرى".

حرب بلا مسار محسوم

تخلص وكالة النبأ الخبرية، من خلال المعطيات التي يتناولها هذا التقرير، إلى أن المشهد الإقليمي بات أكثر تعقيداً مع تعدد ساحات المواجهة وتداخل الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

فالحرب التي بدأت بمواجهة أمريكية إسرائيلية مع إيران امتدت آثارها إلى العراق والأردن والسعودية ومصر واليمن، بينما أصبح مضيق هرمز نقطة ضغط مركزية على حركة الطاقة والأسواق.

وفي العراق، تواجه الحكومة ضغوطاً متعارضة بين مطالب واشنطن بنزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران، وضرورة الحفاظ على سيادة الدولة ومنع توسع المواجهة داخل أراضيها.

وفي الولايات المتحدة، تواجه الإدارة معضلة بين استمرار الضغط العسكري وتكاليفه البشرية والعسكرية، وبين البحث عن تسوية تفاوضية لا تبدو تراجعاً أمام إيران.

أما في المنطقة، فإن استمرار المخاطر حول مضيق هرمز، وعدم وضوح الجهة المسؤولة عن بعض الهجمات، وتعدد الأطراف المنخرطة في القتال، كلها عوامل تجعل العودة إلى هدنة مستقرة أكثر صعوبة.

وبينما تتحدث واشنطن عن إعادة فتح المضيق، وتستعد في الوقت نفسه لاحتمال تنفيذ ضربات جديدة، وتبحث دول أخرى عن استئناف المفاوضات، تبقى النتيجة الأكثر وضوحاً حتى الآن أن الحرب التي كان يُعتقد أنها قد تستمر أسابيع دخلت شهرها الخامس، فيما اتسعت آثارها من ساحات القتال إلى أسواق الطاقة والحسابات السياسية والأمنية، وحتى الحياة اليومية لعائلات العسكريين.

معرض الصور

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً