تواجه القدرة الشرائية للعراقيين ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع كلفة عدد من السلع والخدمات، في وقت تبقى فيه دخول الموظفين والعاملين بأجور ثابتة إلى حد كبير، ما يوسع الفجوة بين قيمة الراتب الاسمية وما يستطيع المواطن شراءه فعلياً.
ويرتبط جانب من هذه الضغوط بحركة سعر صرف الدولار في السوق الموازية، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، الأمر الذي يجعل تغيرات العملة تنعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على أسعار السلع وكلف النقل والإنتاج والخدمات.
وقال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد، للاعلام، إن ارتفاع الدولار في السوق الموازية أصبح عاملاً إضافياً في زيادة كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، مشيراً إلى أن ارتباط الاقتصاد العراقي بالاستيراد يجعل تأثيرات سعر الصرف تمتد إلى قطاعات متعددة.
ويوضح عيد أن ارتفاع كلفة الدولار لا يقتصر على السلع المستوردة مباشرة، بل ينتقل إلى النقل والإنتاج والتجارة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تراجع كمية السلع والخدمات التي يستطيع المواطن الحصول عليها بالدخل نفسه.
وتبرز في هذه الحالة مسألة الدخل الحقيقي، الذي يعكس القوة الفعلية للراتب بعد احتساب تغير الأسعار، مقابل الدخل الاسمي الذي يبقى رقماً ثابتاً على كشوفات الرواتب. فحتى مع عدم انخفاض الراتب، يمكن أن تتراجع قدرته الشرائية إذا ارتفعت أسعار الغذاء والنقل والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخل.
وفي السياق ذاته، يرى عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر أن الوضع الاقتصادي في العراق لا يزال يواجه ضغوطاً، مع استمرار التحديات المرتبطة بالموارد المالية والإيرادات النفطية.
ويشير كوجر إلى أن سعر الصرف الرسمي ما زال ثابتاً بالنسبة إلى الحكومة، لكن السوق تتأثر بعوامل عدة، بينها توافر الدولار وسهولة الوصول إليه وحجم الطلب عليه من المواطنين والتجار، فضلاً عن عوامل خارجية تتصل بالتطورات الأمنية والاقتصادية في المنطقة والضغوط الاقتصادية الأميركية.
ويضيف أن تغيرات سعر الصرف تنعكس على الحكومة والمواطن، إلا أن المواطن يتحمل جانباً كبيراً من آثارها من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فيما تتابع اللجنة المالية ملف سعر الصرف عبر الاستضافات والاستفسارات الموجهة إلى البنك المركزي.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع كلفة المعيشة على المستهلكين، بل تمتد إلى الأنشطة التي تعتمد على حركة الإنفاق اليومية، ومنها مهن التوصيل والخدمات المرتبطة بالطلب المحلي.
ويقول محمد أحمد، وهو عامل في مجال التوصيل ببغداد، إن انخفاض الطلبات خلال الفترة الأخيرة أثر بصورة مباشرة على دخله، موضحاً أن الزبائن أصبحوا أكثر حذراً في الإنفاق، ويميلون إلى شراء الضروريات وتقليل الطلب على الخدمات غير الأساسية.
ويشير إلى أن تراجع الطلب لا يعني انخفاض النفقات التشغيلية، إذ تظل تكاليف الوقود والصيانة والتصليح قائمة، ما يدفع العاملين في هذا القطاع إلى زيادة ساعات العمل للحفاظ على مستوى دخل مماثل لما كانوا يحصلون عليه سابقاً.
وتكشف هذه الصورة عن علاقة متبادلة بين القوة الشرائية وحركة السوق؛ فعندما تخفض الأسر إنفاقها استجابة لارتفاع الأسعار، يتراجع الطلب على السلع والخدمات، وينتقل الأثر تدريجياً إلى أصحاب المهن والأعمال التي تعتمد على النشاط الاستهلاكي.
ويرى عيد أن معالجة الضغوط على القدرة الشرائية لا ترتبط بالضرورة بزيادة عامة للرواتب في الظروف المالية الحالية، محذراً من أن زيادة الأجور من دون زيادة موازية في الإنتاج قد تضيف طلباً جديداً إلى السوق وتزيد الضغوط التضخمية.
ويقترح في المقابل التركيز على مجموعة من الإجراءات، بينها استقرار سعر الصرف، وضبط أسعار السلع الأساسية، وخفض كلف النقل والإنتاج، والحد من الاحتكار والمضاربة، إلى جانب تقديم دعم موجه للفئات الأقل دخلاً وتنشيط الإنتاج المحلي.
ويشير اقتصاديون إلى أن تقليل الاعتماد على الاستيراد يمكن أن يحد من انتقال تقلبات أسعار العملات والأسواق الخارجية إلى المستهلك العراقي، فيما يمثل استقرار الأسعار عاملاً مكملاً لسياسة الأجور في الحفاظ على مستوى المعيشة.
وبذلك، لا تبدو أزمة القدرة الشرائية في العراق مرتبطة بالرواتب وحدها، بل بمجموعة متداخلة من العوامل تشمل سعر الصرف، وأسعار السلع والخدمات، وكلف الاستيراد والنقل والإنتاج، ومستوى الطلب المحلي والموارد المالية للدولة.
وفي ظل هذه المعادلة، يصبح السؤال الاقتصادي بالنسبة للمواطن ليس فقط مقدار ما يتقاضاه شهرياً، وإنما مقدار ما يستطيع ذلك الدخل شراءه فعلياً، وهي معادلة تجعل استقرار الأسعار والإنتاج المحلي وسعر الصرف عوامل أساسية في تحديد مستوى المعيشة.
* وكالات
أضف تعليقاً