بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

هل يمكن أن يدفع الغموض في مضيق هرمز أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل؟

سناء خان*

أصبح مضيق هرمز نقطة الضغط المحورية في المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. فقبل الصراع، كان نحو 20 مليون برميل من النفط تمرّ يوميًا عبر هذا الممر المائي الضيق، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط. ولذلك كان بإمكان المتداولين لسنوات الاعتماد على تقديرات متسقة نسبيًا لحجم الإمدادات المارّة عبر واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.

لكن هذا اليقين قد تلاشى الآن.

فقد جعل استخدام "العبور المظلم"، حيث تُطفئ الناقلات أنظمة التعريف والملاحة الخاصة بها، من الصعب بشكل متزايد رصد حركة السفن. ويجري استخدام صور الأقمار الصناعية وسجلات الموانئ وغاطس الناقلات وجداول التحميل وبيانات الشحن لإعادة بناء هذه الحركة، لكن المعلومات لا تزال ناقصة. وقد اختلفت التقديرات الأخيرة لتدفقات هرمز اختلافًا كبيرًا، مما ترك المتداولين والحكومات في حالة من عدم اليقين بشأن الحجم الحقيقي للنفط المارّ عبر الممر.

ويأتي هذا الغموض في وقت ارتفع فيه خام برنت فوق عتبة 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو، مدفوعًا بتصعيد عسكري متجدد ومخاوف بشأن إمدادات النفط في الشرق الأوسط.

فجوة المعلومات في هرمز

أكثر ما يميز أزمة النفط الحالية ليس فقط أن الإمدادات ربما تراجعت، بل أن الأسواق لا تستطيع تحديد كمية النفط المارّة فعليًا بثقة.

فقد قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن أكثر من 17 مليون برميل عبرت المضيق في 31 أغسطس تحت إشراف البحرية الأمريكية. أما شركة "كبلر" المتخصصة في استخبارات الشحن، فقدّرت أن نحو 6 ملايين برميل فقط عبرت في ذلك اليوم. وقدّرت "كبلر" متوسط التدفقات في أغسطس بنحو 4.3 مليون برميل يوميًا، مع ارتفاعها إلى قرابة 5 ملايين برميل يوميًا خلال الأيام الأولى من سبتمبر.

وقد يعكس هذا الفارق جزئيًا اختلاف المنهجيات، ومنها ما إذا كانت الشحنات التي تستخدم طرقًا بديلة خارج هرمز محتسبة أم لا. كما أن الناقلات التي تبقى غير مرئية لأنظمة التتبع لأيام أو حتى أسابيع تزيد من صعوبة إعادة بناء الصورة.

وهذا يعني أن المتداولين يحاولون تسعير الإمدادات النفطية العالمية دون رؤية موثوقة لأحد أهم شرايين الإمداد في العالم.

لماذا يهمّ مضيق هرمز؟

تنبع الأهمية الاستراتيجية لهرمز من التركّز الهائل لصادرات الطاقة التي تمرّ عبره عادةً. فأي اضطراب مستمر قد يؤثر في إمدادات الخام وتوافر الناقلات وتكاليف التأمين وأزمنة الشحن، وصولًا إلى أسعار الوقود والتضخم بوجه عام.

والوضع الحالي يختلف عن الحصار المباشر. فالمضيق لم يصبح بالضرورة غير سالك بالكامل، بل تعرّضت موثوقيته لضرر بالغ.

وهذا التمييز مهم، لأن الناقلة لا تحتاج إلى أن تُمنع فعليًا من العبور حتى تتفاعل الأسواق. فمجرد احتمال أن تتأخر السفن أو تتعرض للهجوم أو لا تتمكن من العبور بأمان يكفي لرفع كلفة نقل النفط.

ونتيجة لذلك، فإن السوق لا تستجيب فقط لخسائر الإمداد الفعلية، بل أيضًا لمخاطر الاضطراب المستقبلي.

النفوذ الاستراتيجي لإيران

لا تزال قدرة إيران على تعطيل الحركة البحرية مصدرًا مهمًا للنفوذ، رغم المؤشرات على أن قدراتها العسكرية حول هرمز قد ضعفت.

فقد سمحت عمليات إزالة الألغام الأمريكية وممر الشحن المحمي أمريكيًا المتنامي على طول ساحل عُمان لمزيد من السفن بدخول الخليج ومغادرته. وفي الوقت نفسه، لا تزال القوات المرتبطة بإيران تهدد الشحن التجاري، مما يعني أن طهران تحتفظ بالقدرة على خلق حالة من عدم اليقين حتى وإن عجزت عن إغلاق الممر بالكامل.

ويمنح ذلك إيران نوعًا من النفوذ غير المتماثل. فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق هرمز بالكامل لفرض كلفة اقتصادية. فالهجمات المتفرقة أو التحذيرات أو القيود يمكن أن ترفع أقساط التأمين وتؤخر الشحنات وتدفع المتداولين إلى تسعير احتمال أكبر لاضطراب الإمدادات.

وقد أضافت الهجمات المتجددة على البنية التحتية للطاقة في السعودية طبقة أخرى من المخاطر، إذ تهدد الطرق البديلة التي ازدادت أهميتها مع تراجع الحركة عبر هرمز.

الأثر على أسواق النفط العالمية

النتيجة المباشرة هي ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية على الخام.

فعادةً ما تستجيب أسعار النفط لعوامل أساسية قابلة للقياس، مثل الإنتاج والاستهلاك والمخزونات والنقل. لكن حين لا تستطيع السوق تحديد كمية النفط المارّة عبر هرمز، يصبح عدم اليقين نفسه جزءًا من الصورة الأساسية.

وقد يُبقي ذلك الأسعار مرتفعة حتى لو كانت خسائر الإمداد المادية الفعلية أقل مما كان يُخشى.

وقد تجاوز برنت بالفعل 100 دولار للبرميل، بينما رفع محللون ومؤسسات مالية كبرى توقعاتهم لأسعار النفط مع تزايد المخاوف من اضطراب مطوّل.

وبالنسبة للدول المستوردة للنفط، قد تؤدي أسعار الخام المرتفعة المستمرة إلى زيادة تكاليف الوقود والنقل، وتصاعد الضغوط التضخمية، وزيادة عدم اليقين الاقتصادي. كما ستواجه شركات الطيران والمصنّعون والشركات المعتمدة على سلاسل توريد كثيفة الاستهلاك للطاقة ارتفاعًا في تكاليف التشغيل.

التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية

تُظهر الأزمة مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام نقطة اختناق استراتيجية واحدة.

فبالنسبة للولايات المتحدة، لا يُعدّ الحفاظ على حرية الملاحة عبر هرمز هدفًا عسكريًا فحسب، بل هو أيضًا أمر أساسي لمنع تحوّل نزاع إقليمي إلى أزمة طاقة عالمية أوسع.

وبالنسبة للمنتجين في الخليج، فالتحدي لا يقل أهمية. فحتى الدول ذات الطاقة الإنتاجية الكبيرة لا تستطيع تعويض اضطراب الشحن بالكامل إذا بقيت طرق التصدير عرضة للخطر.

أما بالنسبة للمستوردين الآسيويين الكبار، فالمخاطر جسيمة بوجه خاص، لأن معظم الطاقة التي تمرّ عادةً عبر هرمز تتجه إلى الأسواق الآسيوية. ومن ثم قد يخلق اضطراب مطوّل ضغطًا كبيرًا على فواتير الاستيراد والعملات والتضخم في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة.

كما تسلّط الأزمة الضوء على حدود الطرق البديلة. فخطوط الأنابيب والطرق خارج هرمز يمكن أن تخفف بعض الضغط، لكنها لا تستطيع أن تحلّ فورًا محل الأحجام الهائلة التي تمرّ عادةً عبر الممر.

ما التالي؟

المتغير الأساسي هو ما إذا كانت المواجهة بين واشنطن وطهران ستتجه نحو المفاوضات أم نحو مزيد من التصعيد.

فقد يؤدي اختراق دبلوماسي إلى خفض علاوة المخاطر الجيوسياسية بسرعة من خلال استعادة الثقة في حركة الشحن وتحسين الرؤية بشأن تدفقات النفط. أما التصعيد الإضافي فقد يُنتج مزيدًا من الهجمات على الناقلات، أو قيودًا حول الخليج، أو ضغطًا متجددًا على طرق الشحن البديلة.

ولذلك ستراقب سوق النفط حركة الناقلات بقدر ما تراقب التطورات العسكرية.

وإذا أصبح نشاط الشحن أكثر وضوحًا وتعافت التدفقات، فقد تزول جزء من العلاوة الحالية. أما إذا استمر التعتيم المعلوماتي، فقد يواصل المتداولون تسعير احتمال حدوث اضطراب أكبر بكثير في الإمدادات.

التحليل

تكمن الدلالة الأعمق لأزمة هرمز في أن المعلومات نفسها أصبحت سلعة استراتيجية.

فقد اعتمدت أسواق الطاقة الحديثة تقليديًا على القدرة على مراقبة السفن والشحنات وسلاسل الإمداد بدقة متزايدة. وقد خلقت صور الأقمار الصناعية وأنظمة التتبع وبيانات الموانئ افتراضًا بأن التدفقات النفطية المادية يمكن رصدها وقياسها بدقة معقولة.

وهذا الافتراض يتعرض الآن للتحدي.

والنتيجة سوق يمكن أن يؤثر فيها الانطباع في الأسعار بقوة تكاد تضاهي قوة النقص المادي. فإذا اعتقد المتداولون أن هرمز يصبح أقل موثوقية، فسيدفعون مبلغًا أكبر مقابل الخام اليوم حتى من دون دليل قاطع على خسارة كارثية في الإمدادات.

ويمنح ذلك إيران شكلًا مهمًا من النفوذ الاستراتيجي. فالتهديد بالتعطيل يمكن أن يولّد عواقب اقتصادية حتى حين يبقى التعطيل الفعلي محدودًا.

وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن معادلة صعبة. فالحماية العسكرية الأكبر قد تساعد في إبقاء الشحن متحركًا، لكن المواجهة المطولة قد ترفع أيضًا علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تحاول الولايات المتحدة احتواءها.

ومن ثم لم يعد السؤال المحوري هو كمية النفط المارّة عبر مضيق هرمز فحسب، بل إلى متى يمكن للسوق العالمية أن تعمل دون معرفة الإجابة.

وإذا استمر هذا الغموض، فقد تواصل سوق النفط حمل علاوة أمنية كبيرة حتى لو تبيّن أن الإمدادات المادية أعلى مما تشير إليه التقديرات الحالية. وكلما طال أمد عدم اليقين، ازداد تجذّره في الأسعار وتوقعات التضخم والتخطيط الاقتصادي العالمي.


*سناء خان هي محررة الأخبار في "مودرن دبلوماسي". وهي محللة سياسية وباحثة تركز على الأمن العالمي والسياسة الخارجية وسياسات القوة، وتحرّكها شغفٌ بالتحليل القائم على الأدلة. وتستكشف أعمالها كيف تشكّل التحولات الاستراتيجية والتكنولوجية النظام الدولي.


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً