بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

واقع التنمية العالمية.. أبرز الخلاصات من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026

هديل علي*

يرى خبراء التنمية والعاملون في هذا المجال أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام أظهرت مزيجاً من الشعور بالتحديات المصيرية والتفاؤل الضروري. فقد سافر آلاف الأشخاص من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في الاجتماعات، حاملين معهم أعباء تقلص ميزانيات المساعدات الإنمائية الرسمية، والتوتر القائم بين التعامل مع التهديدات الحادة الراهنة والتخطيط الاستباقي طويل الأمد، والحاجة إلى آليات تمويل أفضل وتعزيز الثقة بالنظام متعدد الأطراف، فضلاً عن التساؤلات المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي في التنمية. وقد أثارت جميع هذه الموضوعات نقاشات بشأن ما هو موجود وما هو مفقود في اللغة والأدوات والموارد والحلول المعتمدة حالياً في هذا القطاع.

وبرزت ثلاثة محاور رئيسية تكررت خلال فعاليات الأسبوع، وهي: (1) الخلاف بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه مستقبل التنمية، (2) تزايد أهمية صوت دول الجنوب العالمي وقدرتها على اتخاذ القرارات، و(3) الآثار السلبية للعزلة بين القطاعات والمبادرات.

1- من الذي يحتاج إلى التكيف، وما الذي ينبغي تغييره، حتى تصبح المناهج والنماذج التنموية الجديدة هي القاعدة السائدة؟

شكّل هذا السؤال محوراً أساسياً للعديد من الحوارات، وأثار نقاشات مكثفة بشأن ضرورة إعادة تصور التعاون الإنمائي في المنظومة الراهنة، بالنسبة إلى مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة، ولا سيما الجهات المانحة.

ويتمثل أحد جوانب هذه المعادلة في إحداث تحول حقيقي في النظرة إلى المستفيدين، أي البلدان الشريكة، باعتبارهم أطرافاً فاعلة ومحركين لأجندة التنمية الخاصة بهم، بما يتيح بناء نموذج أكثر استدامة يقوم على الشراكة.

إضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تنويع مصادر رأس المال من خلال مجموعة متنوعة من المصادر الدولية والمحلية، العامة والخاصة، مع عدم إغفال قضية تخفيف أعباء الديون. ويؤدي العمل الخيري دوراً أساسياً في هذه المعادلة، وعلى الرغم من أنه لا يستطيع سد الفجوة بمفرده، فإنه قادر على دعم حلول عملية ومبتكرة. وبوجه عام، من الضروري ضمان توجيه الاستثمارات نحو حلول تعالج الأنظمة بصورة حقيقية، سواء في مجالات الصحة أو الذكاء الاصطناعي أو البنية التحتية.

شهدت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مستويين مختلفين من النقاشات جريا بالتزامن، هما المستوى المفاهيمي والمستوى العملي.

فعلى المستوى العملي، جرى تسليط الضوء على أمثلة محددة لأساليب ونماذج ناجحة، من بينها شبكة الشتات الأفريقي ، التي تركز على أهمية الاستفادة من التحويلات المالية في القارة الأفريقية، وصندوق باوانكا ، الذي يدعم آليات التمويل التي تقودها الشعوب الأصلية في نيكاراغوا، ومبادرة شيكشا لوكام التي تعمل على تحقيق الإنصاف في التعليم في الهند من خلال حلول تقودها الجهات المحلية، ومؤسسة كوجا ، وهي مؤسسة اجتماعية أفريقية تقودها منظمة أديسو .

وتُظهر هذه الأمثلة أن حلولاً مبتكرة وعملية موجودة بالفعل في دول الجنوب العالمي، لكنها لا تحظى دائماً بالتسليط الكافي للضوء عليها أو بالدعم أو التمويل اللازمين.

في المقابل، تناولت النقاشات المفاهيمية تساؤلات بشأن ما إذا كان مصطلح التنمية هو المصطلح المناسب أصلاً، وطبيعة الغاية من هذا القطاع، والحاجة إلى إحداث تحول شامل في النظام.

وتركزت المخاوف على بنية قطاع التنمية برمته، الذي لا يزال يكرس علاقات القوة بين دول الشمال العالمي ودول الجنوب العالمي، فضلاً عن ضعف الإرادة السياسية اللازمة لإحداث تغيير حقيقي في هذا النظام، والحاجة إلى الاعتراف بتراجع الثقة بين الجهات المانحة والبلدان في مختلف أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أهمية كلا المستويين من النقاشات، فإنهما قد يتعارضان أحياناً ويخلقان عقبات أمام إحراز تقدم جماعي. لذلك، ينبغي تحديد النطاق والهدف والإطار المناسب لهذه النقاشات من أجل الانتقال إلى مرحلة العمل.

واتفق العديد من المشاركين، بصرف النظر عن طبيعة النقاشات التي شاركوا فيها، على وجود عدد كبير من المبادرات التي تركز على مستقبل التنمية، والتي تتوسع على مستويات مختلفة، مع وجود توافق على أن إطلاق المزيد من المبادرات ليس بالضرورة هو المطلوب.

وما هو مطلوب فعلياً هو الاستفادة من الأدوات الجديدة، مثل المبادرة الشاملة لرسم خريطة مبادرات الجهات الممولة من أجل: 1- ضمان عدم إنشاء مبادرات جديدة ما لم تكن تضيف قيمة حقيقية أو تكمل المبادرات القائمة، و2- دراسة أوجه التشابه والتوتر والفجوات بين هذه المبادرات.

2- التنمية والقيادة بقيادة محلية لم تعودا مسألة هامشية

لم تعد التنمية والقيادة اللتان تقودهما الجهات المحلية مسألة ثانوية. وكما قال أحد أعضاء وفد إحدى دول منطقة البحر الكاريبي: «إن الدول الأصغر حجماً هي التي تقود الأجندات الأخلاقية والقيمية على المستوى العالمي».

وقد عكست هذه العبارة، إلى جانب تصريحات أخرى خلال الأسبوع، تحولاً في نبرة الدول الصغيرة والقوى المتوسطة، التي باتت تؤكد أنها تقود المشهد وينبغي أن تكون في موقع القيادة وصنع القرار.

وركزت اجتماعات هذا العام بدرجة أقل على تفسير أهمية القيادة المحلية، واتجهت بدلاً من ذلك إلى إبراز أن العديد من الحكومات والوفود الأجنبية لم تعد ترغب بصورة متزايدة في تلقي المحاضرات من الجهات الغربية بشأن الأوضاع الراهنة والأولويات التي ينبغي اعتمادها.

وهذه الرغبة ليست جديدة، إذ أكدت الحكومات الأجنبية مراراً رغبتها في تولي زمام مصيرها بنفسها، لكن الموقف الذي ظهر هذا العام بدا أكثر حزماً ووضوحاً.

ويُعرف هذا التوجه في قطاع التنمية باسم التنمية بقيادة محلية. وتقوم فكرته على أن التحديات التنموية المستدامة وطويلة الأمد تتطلب حلولاً محلية وقيادة محلية.

لكن الخطاب المتعلق بهذا التوجه غالباً ما ينفصل عن احتياجات التمويل. ففي السنوات الأخيرة، لم يتجاوز التمويل الخيري العابر للحدود الذي وصل مباشرة إلى المنظمات المحلية نسبة 11 في المئة.

ولا تقتصر الفجوة على الجانب المالي، بل تعكس أيضاً ضرورة تغيير الطريقة التي تنظر بها الجهات الممولة إلى الأطراف المحلية، وكيفية تعاملها معها وبناء الشراكات.

وقد التزم ائتلاف من الجهات الممولة، من خلال المائدة المستديرة للجهات الممولة بشأن مستقبل التنمية ، بدعم الجهود التي تقودها دول الجنوب العالمي.

ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى حوار صريح بشأن التغيير الحقيقي في أنظمة قطاع التنمية، لضمان بناء الثقة بين المؤسسات الخيرية الغربية ومؤسسات الجنوب العالمي.

3- العزلة بين القطاعات لا تزال تهيمن على مجال التنمية

لا تزال العزلة بين القطاعات تهيمن على مجال التنمية. فقد تناولت النقاشات خلال الأسبوع موضوعات متعددة، شملت السيادة الصحية، والتمويل المناخي، والمساعدات الإنسانية، وإصلاح النظام متعدد الأطراف، والذكاء الاصطناعي قبل كل شيء.

لكن هذه النقاشات لا تزال تجري بصورة منفصلة، في حين ينبغي التعامل معها بالتزامن. ففي عالم تتشابك فيه الأزمات، تؤدي النقاشات المنفصلة إلى إهدار فرص إيجاد حلول مشتركة بين القطاعات.

وهذا ليس تحدياً جديداً، لكنه بدا أكثر حدة هذا العام، في وقت أصبحت فيه هذه الأجندات تعتمد بعضها على بعض أكثر من أي وقت مضى.

إن التعاون الحقيقي ممارسة تتطلب حضوراً أكثر جدية على مستوى القطاع بأكمله. فالعالم، وقطاع التنمية على وجه الخصوص، بحاجة ماسة إلى نقاشات وحلول وإجراءات تتسم بالتكامل والترابط الحقيقي بين مختلف المجالات.

وعلى الرغم من أن أياً من هذه الملاحظات لا ينبغي أن يكون مفاجئاً، فإن هذه التحديات تتفاقم في ظل النظام العالمي متعدد الأقطاب اليوم، وتزداد أهميتها في عالم يتزايد تعرضه للمخاطر نتيجة الصراعات وتغير المناخ والتفاوتات الاقتصادية.

وينبغي أن تسفر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام المقبل عن عدد أقل من المبادرات الجديدة، وتنسيق أوضح بين القطاعات، وتحرك أكثر إلحاحاً من المؤسسات الخيرية والجهات المانحة عموماً.

وإلى ذلك الحين، يتعين على المؤسسات التي تمثل مختلف القطاعات تحديد السبل التي تتيح البناء على العمل القائم وتعزيزه.

ويجب على قطاع التنمية أن يبدأ بما أنجزه بالفعل بصورة جماعية، قبل الانتقال إلى تقديم التزامات ومبادرات جديدة.

* مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية(CSIS)

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً