يُعدّ التقاعد مرحلة مهمة في حياة الإنسان، إذ يمنحه فرصة للتخلص من ضغوط العمل والتفرغ لاهتماماته الشخصية، لكنه قد يحمل في المقابل تحديات تتعلق بالصحة البدنية والقدرات المعرفية والحالة النفسية، خصوصاً عندما يفقد الشخص جزءاً من نشاطه اليومي وشعوره بالهدف والانتماء الاجتماعي.
وتشير أبحاث نشرتها صحفة نيويورك تايمز وترجمتها وكالة النبأ إلى أن تأثير التقاعد في الصحة يختلف من شخص إلى آخر، تبعاً لطبيعة الوظيفة السابقة، وظروف ترك العمل، والوضع المالي والاجتماعي، والحالة الصحية العامة. كما يصعب أحياناً الفصل بين الآثار الناتجة عن التقاعد وتلك المرتبطة بالتقدم في العمر.
وفي هذا السياق، خلص تحليل نُشر عام 2025 وشمل 22 دراسة أُجريت بين عامي 2013 و2023 في دول مختلفة، إلى أن التقاعد قد يرتبط بانخفاض الوظائف الإدراكية وتسارع تراجعها. إلا أن الباحثين شددوا على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات الأكثر دقة لتحديد طبيعة العلاقة بين التقاعد والتدهور المعرفي بصورة قاطعة.
أما على الصعيد البدني، فتختلف النتائج بحسب طبيعة العمل الذي كان يؤديه الشخص قبل التقاعد. وتشير الأبحاث إلى أن التقاعد قد يحقق فوائد صحية أكبر للأشخاص الذين كانوا يعملون في وظائف تتطلب جهداً بدنياً كبيراً، أو في ظروف عمل سيئة، إذ يمكن أن يمنحهم فرصة للتخلص من الضغوط والإجهاد المرتبطين بالعمل.
وتؤدي طريقة التقاعد دوراً مهماً في تحديد آثاره النفسية؛ فالأشخاص الذين يُجبرون على ترك وظائف يحبونها ويستمدون منها جزءاً كبيراً من هويتهم قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بعد التقاعد، مقارنة بمن يتركون العمل طوعاً أو لا يشعرون بالرضا عن وظائفهم.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد التأثيرات المباشرة للتقاعد في الصحة، تشير الأدلة إلى أن الحفاظ على علاقات اجتماعية هادفة وممارسة أنشطة تمنح الحياة معنى يمكن أن يساعدا في جعل هذه المرحلة أكثر صحة ورضا.
ولا يعتمد أثر العلاقات الاجتماعية على عدد الأصدقاء بقدر ما يرتبط بجودة العلاقات وقوة الروابط الإنسانية. فبينما يستفيد بعض الأشخاص من توسيع دائرة معارفهم والمشاركة المستمرة في الأنشطة الجماعية، يكتفي آخرون بعدد محدود من العلاقات الوثيقة.
كما يرتبط الانضمام إلى مجموعات تجتمع بانتظام حول اهتمامات مشتركة، مثل القراءة والكتابة والأنشطة الثقافية، بتحسن الصحة البدنية والنفسية خلال التقاعد، فضلاً عن توفير فرص للتواصل والشعور بالانتماء.
ويبرز الشعور بالهدف في الحياة بوصفه عاملاً مهماً آخر، إذ تشير بعض الدراسات إلى ارتباطه بصحة بدنية أفضل، وقدرته على المساهمة في الحد من التدهور المعرفي الذي يبلّغ عنه الأفراد أنفسهم.
وفي دراسة استندت إلى بيانات امتدت لعشر سنوات وشملت نحو 9800 أمريكي ضمن دراسة الصحة والتقاعد، بحث أستاذ علم الشيخوخة في جامعة بيردو، إليوت إم. فريدمان، وزملاؤه العلاقة بين استمرار الشعور بالهدف في الحياة والتغيرات المعرفية مع التقدم في العمر.
وأوضح فريدمان أن فرص الشعور بالهدف والمعنى قد تصبح أقل مع تقدم الإنسان في السن، نتيجة تراجع مشاركته في الحياة الاجتماعية والتوقعات التي تدفع كبار السن تدريجياً إلى الابتعاد عن بعض أدوارهم المجتمعية.
من جانبها، أكدت باتريشيا أ. توماس، الأستاذة المشاركة في علم الاجتماع بجامعة بيردو، أن الهدف في الحياة يتخذ أشكالاً متعددة، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع لتحقيقه.
وأضافت أن التركيز على الأنشطة اليومية البسيطة التي تمنح الإنسان سبباً للنهوض صباحاً قد يكون وسيلة عملية للحفاظ على الشعور بالمعنى، مشيرة إلى أن هذه الأنشطة يمكن أن تسهم في دعم الوظائف الإدراكية والصحة العامة وتعزيز فرص التمتع بحياة أطول.
وتشير هذه النتائج إلى أن التقاعد الصحي لا يعتمد على الابتعاد عن العمل فحسب، بل يتطلب أيضاً الحفاظ على الروابط الاجتماعية، وممارسة الأنشطة المحببة، وإيجاد أهداف جديدة تتناسب مع ظروف الفرد واهتماماته. فاستمرار المشاركة في الحياة اليومية، حتى من خلال خطوات بسيطة، قد يساعد على جعل سنوات التقاعد أكثر نشاطاً واستقراراً نفسياً
س ع
أضف تعليقاً