بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
مرصد الذكاء الاصطناعي

نوربرت فينر.. المفكر الذي تنبأ بثورة الذكاء الاصطناعي وحذّر من مخاطرها

من السيبرانية إلى تشات جي بي تي.. كيف تحولت أفكار عالم الرياضيات الأمريكي إلى أحد أكثر النقاشات إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين

قبل أكثر من سبعة عقود، وفي وقت كانت فيه أجهزة الحاسوب لا تزال محدودة الانتشار وتملأ غرفاً كاملة، طرح عالم الرياضيات الأمريكي نوربرت فينر أفكاراً بدت آنذاك أقرب إلى الخيال العلمي، لكنها أصبحت اليوم في قلب الجدل العالمي حول الذكاء الاصطناعي.

كان فينر، الذي يُعد مؤسس علم "السيبرانية" (Cybernetics)، من أوائل الذين حاولوا فهم العلاقة بين الإنسان والآلة، وكيف يمكن للأنظمة الآلية أن تتعلم وتتخذ قرارات بناءً على المعلومات التي تستقبلها. وقد شكلت أفكاره الأساس النظري لعدد من التطورات التي قادت لاحقاً إلى ظهور الاتجاه الترابطي (Connexionnisme)، وهو التيار الذي تقوم عليه معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، بما فيها نماذج اللغة المتقدمة مثل "تشات جي بي تي".

لكن إرث فينر لا يرتبط فقط بإسهاماته العلمية، بل أيضاً بتحذيراته المبكرة من المخاطر التي قد ترافق تطور التكنولوجيا، إذ رأى أن الابتكار العلمي لا يمكن فصله عن مسؤولية استخدامه وتأثيره على المجتمع.

وقال الباحث الفرنسي بيير كاسو-نوغيس إن فينر كان "من أوائل من حذروا من مخاطر بعض الأبحاث العلمية"، مشيراً إلى أن العالم الأمريكي أدرك مبكراً أن المعرفة التقنية يمكن أن تتحول إلى أداة تهدد البشرية إذا خرجت عن إطار السيطرة الأخلاقية.

وكان فينر، المعروف بشخصيته الحادة وبطبيعته المتمردة، قد رفض المشاركة في مشروع مانهاتن الذي قاد إلى تطوير أول قنبلة ذرية خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد إسقاط القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، عبّر عن قلقه من إمكانية توظيف العلوم في إنتاج أسلحة دمار شامل.

ونشر فينر لاحقاً رسالة مفتوحة أعلن فيها موقفه الرافض لتوجيه أبحاثه نحو أغراض عسكرية، مؤكداً ضرورة أن يتحمل العلماء مسؤولية النتائج المحتملة لاكتشافاتهم. وقد حظي موقفه بتأييد شخصيات علمية بارزة، من بينها ألبرت أينشتاين.

غير أن فينر لم يدعُ إلى وقف البحث العلمي، بل اعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في توجيه التكنولوجيا نحو خدمة الإنسان، وليس تحويلها إلى وسيلة لإضعافه أو استبداله.

ومنذ عام 1948، العام الذي نشر فيه كتابه الشهير "السيبرانية أو التحكم والاتصال في الحيوان والآلة"، بدأ فينر يتحدث عن مستقبل قد تلعب فيه الأتمتة دوراً مركزياً في حياة البشر.

ورأى أن انتشار الآلات قد يقود إلى نتيجتين متناقضتين؛ الأولى عالم يتحرر فيه الإنسان من الأعمال الشاقة والمتكررة، والثانية مجتمع يعاني من بطالة واسعة إذا استُخدمت التكنولوجيا بطريقة تؤدي إلى استبعاد العمال بدلاً من تحسين ظروفهم.

ويقول ماتيو تريكلو، الباحث في تاريخ العلوم، إن "السيبرانية كانت مشروعاً سياسياً بقدر ما كانت مشروعاً علمياً"، موضحاً أن أفكار فينر ارتبطت منذ البداية بمخاوف اجتماعية، خصوصاً احتمال أن تؤدي الآلات إلى تغييرات جذرية في سوق العمل.

وأضاف أن اللافت في أفكار فينر هو أنها ظهرت في فترة كانت فيها الحواسيب لا تزال نادرة جداً، ولم تكن التوقعات حول قدرتها على التأثير في حياة البشر قد أصبحت واضحة بعد.

وكان فينر، الذي صُنّف في مراحل عدة ضمن التيار اليساري، قد أثار أيضاً شكوك السلطات الأمريكية خلال فترة الحرب الباردة بسبب مواقفه النقدية، لكنه بقي متمسكاً برؤيته بأن التكنولوجيا يجب أن تخضع لقيم إنسانية واضحة.

وفي نظر فينر، لم يكن الخطر الحقيقي في وجود الآلات بحد ذاته، بل في الطريقة التي ينظر بها البشر إلى أنفسهم وإلى دور التكنولوجيا في المجتمع.

ويشرح تريكلو هذه الفكرة بالقول إن فينر كان يرى أن الآلات لا يمكن أن تحل محل البشر إلا إذا تعامل المجتمع مع الإنسان نفسه باعتباره مجرد آلة قابلة للاستبدال، متجاهلاً الجوانب التي تميز الإنسان عن الأنظمة الميكانيكية.

واليوم، تبدو تحذيرات فينر أكثر حضوراً مع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، حيث تتسابق الشركات العالمية إلى تطوير أنظمة قادرة على إنتاج النصوص والصور وتحليل البيانات واتخاذ قرارات معقدة.

وفي الوقت الذي ترى فيه شركات التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات، يخشى منتقدون من أن يؤدي الاستخدام غير المنظم لهذه التقنيات إلى تفاقم الفجوات الاقتصادية وتسريع فقدان بعض الوظائف.

وقد أعادت موجات التسريح التي أعلنت عنها شركات عدة في قطاعات مختلفة، مع تبرير بعضها بالتحول نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي، إحياء الأسئلة التي طرحها فينر قبل عقود بشأن مستقبل العمل وعلاقة الإنسان بالآلة.

ورغم أن مصطلح "السيبرانية" لم يعد شائعاً كما كان في منتصف القرن الماضي، فإن الأفكار التي حملتها ما تزال حاضرة في النقاشات الحالية حول الذكاء الاصطناعي، خصوصاً ما يتعلق بضرورة وضع حدود أخلاقية وقواعد واضحة لاستخدام هذه التكنولوجيا.

فبعد أكثر من سبعين عاماً على طرحه رؤيته، يبدو أن نوربرت فينر لم يكن يتنبأ فقط بظهور آلات أكثر ذكاء، بل كان يحاول طرح سؤال أعمق: كيف يمكن للبشر أن يضمنوا بقاء التكنولوجيا أداة لخدمتهم، لا قوة تتحكم بمستقبلهم؟

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً