يواصل صندوق الاستثمار الأميركي "Situational Awareness" رهاناته الكبيرة على قطاع الذكاء الاصطناعي، بضخ مئات الملايين من الدولارات في شركة ناشئة تعمل بعيداً عن الأضواء على تطوير تقنية قد تعيد تشكيل واحدة من أكثر مراحل صناعة أشباه الموصلات تعقيداً.
وبحسب تقرير تابعته وترجمته وكالة النبأ، ان الصندوق ضخ مؤخراً نحو 400 مليون دولار إضافية في شركة "Source Foundry"، ليرتفع إجمالي استثماراته فيها إلى نحو 500 مليون دولار، في خطوة تعكس استمرار شهية الصندوق للمشروعات التكنولوجية عالية المخاطر رغم تعرض محفظته في الأسواق العامة لخسائر كبيرة.
وتعمل "Source Foundry"، التي تأسست في 2025 على يد باحثين من جامعة ستانفورد، في مجال معدات تصنيع أشباه الموصلات، وتسعى إلى تطوير بدائل لتقنيات الطباعة الحجرية المتقدمة المستخدمة في إنتاج الرقائق الحديثة.
وتكتسب الشركة أهمية خاصة بسبب تركيزها على واحدة من أكثر حلقات سلسلة توريد الرقائق حساسية، وهي المعدات اللازمة لطباعة الدوائر متناهية الصغر على أشباه الموصلات، في سوق تهيمن عليه حالياً شركات محدودة للغاية وتتطلب تقنياته استثمارات ضخمة وسنوات طويلة من البحث والتطوير.
وتطمح الشركة الناشئة إلى تقديم بديل للأنظمة الضخمة والمكلفة المستخدمة في الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى "EUV"، وهي التقنية التي أصبحت ضرورية لإنتاج أكثر الرقائق تطوراً المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ويمثل الاستثمار الجديد رهاناً على إمكانية ظهور منافسين جدد في سوق معدات صناعة الرقائق، بالتزامن مع ارتفاع الطلب العالمي على القدرات الحاسوبية اللازمة لتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويقف خلف صندوق "Situational Awareness" الباحث السابق في "OpenAI" ليوبولد آشنبرينر، الذي أسس الصندوق مستفيداً من الاهتمام المتزايد بالفرص الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيله.
واكتسب الصندوق سمعة تقوم على ضخ مبالغ كبيرة في شركات تكنولوجية ناشئة، بما فيها شركات لا تزال في مراحل مبكرة ولم تصل بعد إلى إنتاج تجاري واسع أو تحقيق إيرادات كبيرة.
لكن الرهان الجديد يأتي في وقت تعرض فيه الصندوق لضغوط نتيجة خسائر في استثماراته بالأسواق العامة، ما دفعه إلى بيع جزء كبير من محفظته المدرجة، بينما أبقى على مجموعة من الاستثمارات الخاصة في شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية.
وتضم رهاناته الخاصة شركات من بينها "Anthropic" و"Fluidstack" و"MatX"، في مؤشر على استراتيجية تستهدف مختلف الطبقات التي تقوم عليها طفرة الذكاء الاصطناعي، من تطوير النماذج إلى مراكز البيانات والرقائق والمعدات المستخدمة في تصنيعها.
وسبق أن شارك "Situational Awareness"، إلى جانب "Jane Street"، في قيادة جولة تمويل تجاوزت 500 مليون دولار لشركة الرقائق الناشئة "MatX"، التي أسسها مهندسان سابقان في أعمال أشباه الموصلات التابعة لغوغل وتسعى إلى تطوير معالجات تنافس رقائق "Nvidia".
ويختلف الرهان على "Source Foundry" عن الاستثمار المباشر في الشركات التي تصمم معالجات الذكاء الاصطناعي، إذ يستهدف مرحلة أعمق في سلسلة الإنتاج تتمثل في المعدات التي تسمح أصلاً بتصنيع الأجيال المتقدمة من الرقائق.
ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه الولايات المتحدة ودول أخرى على تعزيز قدراتها المحلية في صناعة أشباه الموصلات وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الشركات والدول في المراحل الحساسة من سلسلة التوريد.
وقد يجعل نجاح "Source Foundry" الشركة لاعباً في سوق شديدة الصعوبة من الناحية التقنية، لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام أي شركة ناشئة تحاول منافسة المؤسسات التي بنت خبراتها وتقنياتها على مدى عقود.
ويكشف الاستثمار، رغم مخاطره، عن تحول في سباق الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد رأس المال يتجه فقط إلى الشركات التي تطور النماذج والتطبيقات، وإنما بات يتحرك بصورة متزايدة نحو البنية التحتية التي تقف خلفها، بدءاً من الطاقة ومراكز البيانات ووصولاً إلى المعالجات والمعدات المستخدمة في تصنيع الرقائق.
وبذلك يراهن "Situational Awareness" بنحو نصف مليار دولار على أن الاختناق المقبل في سباق الذكاء الاصطناعي قد لا يكون في تطوير البرمجيات، بل في القدرة على تصنيع الرقائق المتقدمة نفسها، وأن الشركة القادرة على تغيير أدوات هذه الصناعة قد تصبح واحدة من أهم المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية.
أضف تعليقاً