بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

الذكاء الاصطناعي.. ثورة جديدة لمواجهة الجوع وتعزيز الأمن الغذائي العالمي

بقلم زين سوانسون، وايماكورتيس، وجولي فيرزي، وكايتلين ويلش*

شهد القطاع الزراعي على مدى قرون ثورات متتالية أسهمت في تطوير أساليب الإنتاج وتحسين القدرة على توفير الغذاء، وصولاً إلى أنظمة زراعية حديثة تنتج اليوم كميات من الغذاء والسعرات الحرارية تفوق أي مرحلة سابقة في التاريخ.

ورغم هذا التقدم، لا يزال نحو 2.7 مليار شخص حول العالم غير قادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، فيما يواجه ما يصل إلى 696 مليون شخص سوء التغذية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أنظمة الغذاء بفعل الصراعات وتغير المناخ والصدمات الاقتصادية.

وفي ظل هذه التحديات، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة جديدة يمكن أن تسهم في إحداث تحول كبير في الأمن الغذائي العالمي، من خلال تحسين الإنتاج الزراعي والتنبؤ بالأزمات وتطوير المحاصيل ودعم المزارعين في اتخاذ قرارات أكثر دقة.

بدأ استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بالفعل في المختبرات والمزارع والميدان، فيما يُتوقع أن تتوسع تطبيقاتها خلال السنوات المقبلة مع تزايد حجم البيانات وتطور أدوات التحليل.

ومن أبرز المجالات التي يمكن أن يحدث فيها الذكاء الاصطناعي تأثيراً مباشراً، أنظمة الإنذار المبكر التي تجمع بيانات من مصادر متعددة، تشمل التقارير المحلية وصور الأقمار الصناعية ومعلومات مراقبة المحاصيل.

ويمكن لهذه الأنظمة تحليل المؤشرات المتعلقة بالإنتاج الزراعي والطقس والاقتصاد وغيرها، ثم تقديم تنبيهات وتوصيات تساعد الحكومات والمنظمات والجهات المعنية على التحرك قبل تفاقم الأزمات، بما يعزز القدرة على حماية مصادر الغذاء والحد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

يمثل تحسين المحاصيل مجالاً آخر يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي فيه دوراً متزايداً، من خلال مساعدة الباحثين وعلماء المحاصيل على تحليل كميات كبيرة من البيانات البيولوجية واستخدام التقنيات الجينية الحديثة لتطوير أصناف أكثر إنتاجية وقدرة على تحمل الظروف الصعبة.

ويمكن لهذه التقنيات أن تسهم في إنتاج محاصيل أكثر مقاومة للجفاف والحرارة والأمراض، فضلاً عن تحسين قيمتها الغذائية، بما يدعم قدرة المزارعين والمجتمعات على مواجهة الصدمات التي تهدد الإمدادات الغذائية.

أما المجال الثالث فيتمثل في الزراعة الموجهة، التي تتيح استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الظروف الحالية والمتوقعة وتقديم توصيات دقيقة بشأن الري وكميات الأسمدة والمغذيات وغيرها من العمليات المرتبطة برعاية المحاصيل.

وتوفر هذه التقنيات للمزارعين معلومات آنية تساعدهم على إدارة مواردهم بكفاءة أكبر، وتقليل الهدر في المياه والأسمدة، وتحسين الإنتاجية، إلى جانب إمكانية اكتشاف المشكلات الزراعية في مراحل مبكرة والتعامل معها بصورة أكثر فاعلية.

ورغم الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة الغذاء، فإن الاستفادة من هذه التقنيات لا تخلو من مخاطر وتحديات، خصوصاً أن آثار الابتكارات الزراعية السابقة لم تكن إيجابية على الدوام، إذ أسهمت بعض التحولات في ظهور تداعيات اقتصادية وبيئية غير متوقعة.

ومن هنا، فإن نجاح ثورة الذكاء الاصطناعي في مجال الغذاء يتطلب الاستفادة من دروس الماضي، والعمل على تطوير أطر تقنية وسياساتية قادرة على توظيف هذه الأدوات بطريقة مسؤولة ومستدامة.

كما يتطلب الأمر توفير الكفاءات والخبرات اللازمة لتطوير التطبيقات وتوسيع نطاق استخدامها، إلى جانب تحقيق توازن بين سرعة التطور التقني والاحتياجات الفعلية للمجتمعات والمزارعين.

ولا تتوزع القدرات المؤسسية والتقنية اللازمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي بصورة متساوية حول العالم، الأمر الذي قد يحد من قدرته على إحداث تغيير واسع في أنظمة الغذاء.

وتبرز هنا أهمية ضمان وصول الدول والمجتمعات الأقل قدرة إلى التقنيات والبيانات والخبرات اللازمة، إذ إن غياب هذا الوصول قد يؤدي إلى تكريس أوجه عدم المساواة القائمة أصلاً، بدلاً من الحد منها.

ولهذا، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة والأمن الغذائي يحتاج إلى جهود واعية لضمان استفادة المزارعين والمجتمعات الأكثر تعرضاً للجوع وانعدام الأمن الغذائي من الابتكارات الجديدة.

وتتمثل الأهداف الأساسية لأنظمة الغذاء العالمية في زيادة الإنتاجية بصورة مستدامة، وتحسين التغذية، وتوفير الغذاء بأسعار مناسبة، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة، فضلاً عن تحسين ظروف عمل المزارعين.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم تحقيق هذه الأهداف، لكنه لا يمثل حلاً منفرداً لمشكلة الجوع، إذ تتداخل الأزمة الغذائية مع عوامل اقتصادية وبيئية وسياسية وإنسانية تتطلب معالجة شاملة.

ويتوقف نجاح هذه الثورة التقنية على دمج الذكاء الاصطناعي بصورة مدروسة مع السياسات الزراعية والبرامج التنموية والجهود الإنسانية، مع إعطاء الأولوية للمناطق والفئات الأكثر احتياجاً.

ومع التسارع الكبير في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تزداد الحاجة إلى توظيفها في مواجهة تحديات الجوع والأمن الغذائي، سواء من خلال أنظمة الإنذار المبكر، أو تطوير المحاصيل، أو تحسين أساليب الزراعة وإدارة الموارد.

وبينما بدأت بعض التحولات بالفعل، لا تزال هناك تطبيقات وإمكانات أخرى قيد الاكتشاف والتطوير، ما يفتح المجال أمام الذكاء الاصطناعي للمساهمة في إعادة تشكيل جوانب متعددة من النظام الغذائي العالمي.

وفي نهاية المطاف، لن تتحدد قيمة الذكاء الاصطناعي في مكافحة الجوع بقدراته التقنية وحدها، بل بمدى قدرة المؤسسات والحكومات والباحثين والمطورين على توسيع نطاق استخدامه وضمان وصول فوائده إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً، مع مراعاة المخاطر والتحديات المرتبطة بهذه الثورة التقنية.

*يعد برنامج الأمن الغذائي والمائي العالمي التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عضواً في مبادرة الذكاء الاصطناعي التعاونية: الأمن الغذائي


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً