أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تشكيل أولويات الأمن الأوروبي، منهيةً عقوداً من خفض الإنفاق العسكري التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، لتدخل القارة مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء القدرات الدفاعية وتعزيز الصناعات العسكرية في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، ركزت معظم الدول الأوروبية على تقليص جيوشها وخفض موازناتها العسكرية، مستندة إلى قناعة بأن مرحلة المواجهات الكبرى قد انتهت. غير أن اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 بدد هذه الفرضية، ودفع الحكومات الأوروبية إلى مراجعة سياساتها الدفاعية بصورة جذرية.
وساهمت حالة الغموض بشأن مستقبل الالتزام الأمني الأميركي تجاه أوروبا، خاصة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، في تسريع هذا التحول، ما دفع دولاً عدة إلى رفع إنفاقها العسكري وإطلاق برامج تسليح واسعة النطاق.
وتبرز ألمانيا في مقدمة هذا التحول، بعدما عدلت قواعدها المالية لإلغاء القيود المفروضة على الإنفاق الدفاعي، في خطوة تتيح ضخ استثمارات عسكرية غير مسبوقة لتحديث الجيش وتعزيز جاهزيته.
وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي نحو 559 مليار دولار خلال العام الماضي، فيما أنفقت ألمانيا وحدها نحو 114 مليار دولار، بزيادة بلغت 24% مقارنة بالعام السابق.
وفي موازاة زيادة الإنفاق، تتجه أوروبا إلى تعزيز استقلالها العسكري عبر توسيع صناعاتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، من خلال تطوير أنظمة تسليح متقدمة بالتعاون بين عدد من الدول الأوروبية.
ومن أبرز هذه المشاريع برنامج القتال الجوي العالمي (GCAP)، الذي يجمع المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان لتطوير مقاتلة من الجيل السادس، إلى جانب مشاريع أخرى لتحديث الطائرات المسيّرة وأنظمة القتال الرقمية.
ورغم هذه الطموحات، لا تزال الصناعة الدفاعية الأوروبية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة رفع معدلات الإنتاج بما يتناسب مع الطلب المتزايد، إضافة إلى نتائج مالية جاءت دون توقعات المستثمرين خلال الأشهر الأولى من عام 2026، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة الشركات على تحويل العقود الضخمة إلى أرباح فعلية.
كما تعاني أوروبا من تشتت صناعاتها العسكرية وتضارب الأولويات الوطنية، وهو ما أدى إلى تعثر عدد من المشاريع المشتركة، وفي مقدمتها مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) بين فرنسا وألمانيا، نتيجة خلافات صناعية وتقنية بين شركتي "داسو للطيران" و"إيرباص للدفاع والفضاء".
ويرى خبراء أن المشكلة الأساسية لم تعد تتعلق بتوفير التمويل، بل بآليات اتخاذ القرار والتنسيق بين الدول الأوروبية، إذ تعيق البيروقراطية وتعقيدات المشتريات الدفاعية سرعة تنفيذ المشاريع العسكرية، في وقت تتطلب فيه البيئة الأمنية الحالية استجابة أكثر مرونة وسرعة.
وتشير دراسات حديثة إلى أن أنظمة الشراء العسكري الأوروبية لا تزال تتسم بالنزعة الوطنية والاعتماد على إجراءات معقدة، ما يدفع خبراء إلى الدعوة لتشكيل تحالفات دفاعية مصغرة بين عدد محدود من الدول المتقاربة في الرؤى، بدلاً من انتظار توافق جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، تتركز غالبية عقود التسليح الأوروبية لدى عدد محدود من الشركات الكبرى، وهو ما يحد من فرص الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة للمشاركة في تطوير التقنيات العسكرية الحديثة، رغم ما تمتلكه من قدرات ابتكارية.
ومع استمرار التوسع في الإنفاق العسكري، تتصاعد التساؤلات بشأن تأثير ذلك على الاقتصاد الأوروبي، في ظل المخاوف من تراجع الإنفاق على قطاعات حيوية مثل الصحة والرعاية الاجتماعية لصالح الدفاع.
إلا أن مؤيدين لهذا التوجه يرون أن الصناعات الدفاعية لا تمثل عبئاً مالياً فحسب، بل يمكن أن تكون محركاً للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، فضلاً عن دورها في تعزيز الأمن الأوروبي في مواجهة التهديدات التقليدية والهجمات السيبرانية والعمليات الهجينة.
وبين تحديات التمويل، وتعقيدات التصنيع، والحاجة إلى التنسيق السياسي، تبدو أوروبا أمام مرحلة مفصلية تسعى خلالها إلى بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً، قادرة على حماية مصالحها وتقليل اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة الجيوسياسية وعدم اليقين.
أوروبا تعيد تسليح نفسها.. سباق دفاعي يعيد رسم موازين القوة بعد الحرب الأوكرانية
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً