الذكاء موهبة لا تتجلى بالدرجة نفسها لدى الجميع، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالقدرات الاستثنائية. وبينما يحلم معظم الآباء والأمهات بأن يكون أطفالهم من أصحاب الذكاء الخارق، فإن هذه الميزة ليست متوافرة لدى الجميع، وقد تكون موجودة لدى بعض الأطفال لكنها لا تظهر بوضوح أو لا تجد البيئة التي تسمح لها بالازدهار.
وثمة جدل حوله مسألة ارتباط الذكاء بالطبقة الاجتماعية، ففيما يعتبر بعضهم أن من هم من طبقة ميسورة قد يتمتعون بمستويات أعلى من الذكاء وقد يتمتعون بقدرات وخيارات أهم في الدراسة، يرى آخرون أن كثيرين ممن هم من طبقة فقيرة يظهرون مزيداً من الكفاءة والذكاء في الدراسة، ويكونون أيضاً أكثر إصراراً فيصلون إلى أعلى المراتب.
في تنمية الذكاء
تؤكد دراسات علمية حديثة وجود ارتباط وثيق بين الطبقة الاجتماعية والاقتصادية من جهة ومعدل الذكاء لدى الطفل وتطور بنية دماغه ووظائفه، ومنها دراسة علمية نشرت في مجلة "نيتشر نيوروساينس" العلمية، المتخصصة في علوم الأعصاب، وخلصت إلى أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة لا ينعكس فقط على مستوى معيشة الطفل، بل يمتد تأثيره إلى نمو دماغه وقدراته المعرفية. فقد أظهرت الدراسة، التي شملت أكثر من 1000 طفل ومراهق، أن ارتفاع دخل الأسرة ومستوى تعليم الوالدين يرتبط بزيادة مساحة مناطق في الدماغ مسؤولة عن اللغة والتفكير واتخاذ القرار، وهي عوامل ترتبط بدورها بالأداء المعرفي والذكاء.
وثمة دراسات كشفت على أن هذا التفاوت لا يرتبط بعوامل بيولوجية ثابتة، بل بمستويات التحفيز الذهني والإجهاد المزمن وجودة الرعاية والبيئة المحيطة بالطفل.
توضح الباحثة والاستاذة المحاضرة في علم الاجتماع العائلي والتربوي في الجامعة اللبنانية الدكتورة جانيت جبور أن الذكاء لا ينتج من عامل واحد بحسب الدراسات في علم النفس وعلم الاجتماع، بل ينتج من التفاعل بين الاستعدادات الفردية للطفل ومن البيئة التي ينشأ فيها أيضاً، فهي تلعب دوراً معاً في درجة الذكاء لديه.
الذكاء ينتج من التفاعل بين الاستعدادات الفردية للطفل ومن البيئة التي ينشأ فيها أيضاً
وتشير في المقابل إلى أن الدراسات الحديثة كافة تؤكد أن درجة ذكاء الطفل لا تتحدد بناء على الطبقة الاجتماعية التي لديه، بل يمكن أن تؤثر الطبقة الاجتماعية في فرص نمو هذا الذكاء الذي يتمتع به الطفل وفي مستوى بروزه، ويحصل ذلك من خلال الفرص المتاحة له لتنمية الذكاء الذي لديه.
وتقول جبور "الفقر لا يجعل الطفل أقل ذكاء كما يعتقد بعضهم، لكنه يمكن أن يحرمه من البيئة الغنية بالمحفزات التي لا تكون عائلته قادرة على توفيرها له بسبب القدرات المادية المحدودة، ويقصد بذلك كتب، ومدارس ذات جودة، وألعاب تعليمية، وتغذية جيدة، ورعاية صحية. في المقابل، تزيد على الطفل في هذه الحالة الضغوط المزمنة التي يتعرض لها التي ترتبط بالفقر، وتلك التي ترتبط بالتفكك الأسري، والمستوى التعليمي المتدني لدى الأهل. هذه العوامل كلها تؤثر في قدراته الذهنية، وفي الذاكرة، وفي قدرته على التعلم".
في المقابل، لا يجعل انتماء الطفل إلى طبقة ميسورة أكثر ذكاء تلقائياً، إنما تؤمن له الفرص لتنمية قدراته، والفرص التي لا تعطى لطفل فقير مثل التعليم الأفضل، والمدارس الخاصة ذات جودة عالية في التعليم، والأنشطة الفنية والرياضية، والسفر، وتعلم اللغات، وفرص التفاعل مع الكبار.
وتضيف "مثال على ذلك العائلة التي تتبنى طفلاً كان من الممكن أن ينمو في كنف عائلة فقيرة في ظروف صعبة أو في دار أيتام، إن الفرص التي تتيحها العائلة الميسورة له تسمح له بالتميز، بالمقارنة مع أطفال آخرين كانوا متروكين ومكثوا مع عائلات فقيرة مفككة. هذا ما يؤكد المنظار السوسيولوجي الذي يعتبر أن الفرص والتنشئة الاجتماعية لهما الدور المحوري في عملية تحفيز الذكاء لدى الأطفال. فالأسرة التي تحاور الطفل، وتشجعه على طرح الأسئلة، والمطالعة، وتدعمه عاطفياً، وتسهم في تنمية قدراته العاطفية، تنمي الذكاء لديه وتحفزه، بغض النظر عن مستواها الاقتصادي والاجتماعي والقدرات المادية. والعكس صحيح فمن الممكن ألا يتميز أطفال هم من عائلة ميسورة ولا يؤمن لهم الأهل الفرص التي تسمح بتحفيز الذكاء لديهم، كما يتميز أطفال تتاح لهم هذه الفرص".
تكافؤ الفرص
عندما أشار بيار بورديو، وهو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي ويعد من أكثر المفكرين تأثيراً في علم الاجتماع خلال القرن الـ20 إلى الرأسمال الثقافي قصد بذلك أن الأسر تنقل إلى أطفالها العادات والمعارف والمهارات، وتشجعهم على النجاح الدراسي، وهي لا تنقل الأموال فحسب.
وفي السياق، لا تنكر جبور أهمية الاستعدادات الفردية لدى الطفل حتى يبرز الذكاء لديه، لكن تأتي أيضاً التنشئة الاجتماعية والفرص المتاحة والتي تحدد مدى تطور قدراته الفكرية والمعرفية، ومن خلالها يظهر الذكاء الذي يتمتع به. أما الطبقة الاجتماعية فتؤثر بطريقة غير مباشرة في ذكاء الطفل، من خلال ما توفره له أو ما تحرمه منه من موارد وفرص، وإن كانت لا تمنح الذكاء أو تعوقه.
وهذا ما يفسر أن كثيرين من الأطفال في بيئات فقيرة أظهروا قدرات استثنائية، عندما أتيحت لهم فرص التعليم الجيد والدعم. ما يؤكد بالتالي على أن الإمكانات تكون موجودة شرط أن تساعد البيئة الاجتماعية في ازدهارها ولا تعوق ظهورها، وتشير جبور انطلاقاً من تجربتها في التعليم الرسمي (التابع للدولة اللبنانية)، إلى أن المنح التي أعطيت في الثانويات الرسمية لأطفال لا قدرات مادية لهم أسهمت في ظهور قدرات فائقة وفي وصول عدد منهم إلى أعلى المراتب وقد أبدعوا عندها.
وتابعت "لذلك تلعب الأسرة الدور الأساسي هنا من خلال تأمين الحب والاهتمام والأمان، إلى جانب غرز قيم معينة منها قيم التعلم فتؤثر في نمو الذكاء لدى الطفل. ومن بعدها، تتحمل الدولة المسؤولية التي تلعب دوراً كبيراً في تحقيق تكافؤ الفرص بين الأطفال أياً كان المستوى الاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً في ما يتعلق بالتعليم. ويأتي بعدها دور المدرسة التي تلعب دوراً لا في التعليم فحسب، بل في اكتشاف المواهب وحل المشكلات التي يواجهها الطلاب أحياناً، فيجب أن تعمل على توفير الدعم والتشجيع وكشف المواهب. أما الوسيط الرابع في تنمية ذكاء الطفل، فهي الجمعيات الناشطة التي تقدم المنح لإتاحة الفرص للأطفال لتحفيز أولئك المميزين منهم، أياً كانت الطبقة التي يتنمون إليها ومنها ما يركز على الثانويات الرسمية التي لا تتاح كثير من الفرص للأطفال فيها، فثمة مجموعة من العوامل تسهم في تميز أطفال في الذكاء والقدرات التي لديهم والتفوق".
وما تؤكده جبور أن الفقر ليس مسؤولية الطفل نفسه، بل هي قضية ترتبط ببنية المجتمع والهدف الأساس هو تحقيق تكافؤ الفرص، ومن واجب الدولة العمل على ذلك ليحصل كل طفل على فرصة عادلة لتنمية قدراته بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، لذلك ثمة دراسات كثيرة تؤكد أن الاستثمار في الطفولة المبكرة والتعليم من أكثر الاستثمارات تأثيراً في الحد من الفوارق الاجتماعية.
الذكاء أشكال متعددة
من جهتها، تشير الاختصاصية في المعالجة النفسية الدكتورة كارول سعادة إلى أن قلائل يدركون أن الذكاء لا يظهر بصورة واحدة لدى الكل، بل ثمة أشكال متعددة منه.
وتعدد أولاً الذكاء اللغوي الذي يشير إلى القدرة على استخدام الكلمات بفاعلية سواء في الكتابة أم في الحديث، إلى جانب فهم معاني الألفاظ بدقة، ويتميز بهذا النوع من الذكاء الكتاب والشعراء والمحامون والخطباء.
وثانياً الذكاء المنطقي الرياضي الذي يرتبط بالقدرة على تحليل المشكلات منطقياً وحل المعادلات الرياضية المعقدة والبحث العلمي، ويظهر هذا النوع من الذكاء العلماء والمبرمجون والمحاسبون ومهندسو البيانات.
وتكشف ثالثاً الذكاء البصري المكاني المتعلق بالقدرة على إدراك العالم البصري بدقة وتخيل الصور والأنماط ثلاثية الأبعاد في الذهن. ويظهر هذا النوع من الذكاء بوضوح لدى المهندسين المعماريين، ومصممي الديكور، والرسامين والطيارين.
فيما يأتي رابعاً الذكاء الجسدي الحركي، ويشمل القدرة على تنسيق حركات الجسم بمهارة عالية واستخدامه للتعبير عن الأفكار وابتكار الأشياء، ويتميز به الرياضيون، والجراحون، والراقصون، والحرفيون.
الذكاء بين الموسيقى والطبيعة
خامساً الذكاء الموسيقي الذي يتضمن القدرة على التعرف على النغمات، والإيقاعات والأصوات وتأليف الموسيقى أو تذوقها. ويبرع فيه الملحنون، والمغنون، وعازفو الآلات الموسيقية.
سادساً الذكاء الاجتماعي، ويعني القدرة على فهم مشاعر الآخرين ودوافعهم واحتياجاتهم والتواصل معهم بفاعلية وبناء علاقات قوية. ويظهر لدى القادة، والمعلمين، والاختصاصيين النفسيين، ومسؤولي المبيعات.
سابعاً الذكاء الذاتي، المرتبط بفهم الشخص لنفسه ومعرفة نقاط ضعفه ومشاعره وأهدفه االشخصية بدقة. ويساعد الفرد في التوجيه الذاتي، وغالباً ما يتميز به المفكرون والكتاب الذي يميلون إلى التأمل.
ثم ثامناً الذكاء الطبيعي، الذي يتعلق بالقدرة على التفاعل مع عناصر الطبيعة وتمييز النباتات والحيوانات والصخور وتصنيفها، يتميز به علماء الأحياء والمزارعون والجيولوجيون ومحبو الأنشطة الخارجية في الطبيعة.
وأخيراً الذكاء الوجودي، الذي يشمل القدرة على التفكير في الأسئلة العميقة والكبرى المتعلقة بالوجود البشري مثل معنى الحياة والموت، ويظهر هذا الذكاء عادة لدى الفلاسفة والمفكرين.
ما توضحه سعادة أن الذكاء قد يرتبط بالوراثة بنسبة معينة، لكن ثمة عوامل ترتبط بالمحيط والتحفيز في الطفولة تسهم في تعزيز مستوياته. حتى أنه من الممكن أن يولد طفل وهو لا يتمتع بمستويات عالية من الذكاء، وكان هناك تحفيز في محيطه فيتمكن من النمو والتميز، والعكس صحيح.
وتختم "بوجود أنواع عدة من الذكاء من الممكن أن يجري التركيز على أحدها إذا كان أي منها ظاهراً لدى الطفل، فيبدع في مجال معين يتمتع بالذكاء فيه. فيما يبقى من المهم التركيز الذكاء العاطفي وأهمية العمل على تعزيز مستوياته، وإن كان يتمتع بذكاء في مجالات أخرى، كونه الأهم لنجاح الإنسان في أية مرحلة عمرية في المجتمع والتواصل والتعاطف مع الآخرين ومعرفة الذات وفهم الآخر، فيساعد في تخطي عوائق كثيرة في الحياة".
أمثلة استثنائية
ولعل من الأمثلة التي تؤكد أن الطبقة الفقيرة لا تحدد مستوى ذكاء الأطفال ومستقبلهم، أشخاص أتوا من بيئة فقرة جداً لكنهم أبدعوا وأظهروا ذكاء خارقاً، وارتبط اسمهم عالمياً بنجاحات استثنائية.
منهم سرينيفاسا رامانوجان، الذي ولد عام 1887 في جنوب الهند لعائلة فقيرة، وعانى نقص الموارد التعليمية، لكنه أصبح أحد أعظم علماء الرياضيات في التاريخ، وقدم مئات النظريات التي ما زال العلماء يعتمدون عليها حتى اليوم، على رغم أنه تلقى تعليماً نظامياً محدوداً.
ومن الأسماء أيضاً مايكل فاراداي، الذي نشأ في أسرة فقيرة جداً في لندن، واضطر إلى ترك المدرسة في سن مبكرة والعمل في تجليد الكتب، لكنه تحول لاحقاً إلى أحد أهم علماء الفيزياء وكان وراء اكتشاف مبادئ الحث الكهرومغناطيسي، وأسهم في تطوير المحرك الكهربائي، ويعد من مؤسسي علم الكهرباء الحديث.
وأخيراً، يعد أبراهام لنكولن، مثالاً صارخاً على عدم ارتباط الذكاء بالطبقة الفقيرة، فهو نشأ في كوخ خشبي وسط فقر شديد في ولاية كنتاكي الأميركية، لكنه علم نفسه بنفسه، وأصبح رئيساً للولايات المتحدة، ويعد من أبرز الشخصيات السياسية في التاريخ الأميركي.
أضف تعليقاً