يدخل العراق، في الثلاثين من أيلول 2026، مرحلة جديدة في مسار علاقاته الأمنية والدولية، مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانتقال التعاون مع دوله إلى أطر ثنائية، في محطة أطلقت عليها الدولة العراقية "يوم السيادة"، لتشكل نهاية مرحلة أمنية امتدت لأكثر من عقد وبداية مسار يرتكز على تولي المؤسسات العراقية مسؤولية الأمن وترسيخ استقلال القرار الوطني.
ولا يقتصر مفهوم "يوم السيادة"، وفق المواقف الرسمية التي رافقت المناسبة، على انتهاء مهمة عسكرية أجنبية، بل يمتد إلى ملفات أوسع تشمل سلطة القانون وإدارة الثروات وحماية الحدود والأمن الغذائي وبناء مؤسسات قادرة على إدارة شؤون البلاد، في وقت تتجه فيه بغداد إلى إعادة تنظيم شراكاتها الدولية على أساس العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة.
من التحالف إلى الشراكات الثنائية
المستشار الأمني لرئيس الوزراء قاسم الأعرجي وصف الثلاثين من أيلول بأنه "محطة مهمة"، مؤكداً أن العراق يصل إلى إنهاء مهمة التحالف الدولي ووجود قواته، بعد مسار من المفاوضات والتفاهمات بدأ في 22 تموز 2021، والانتقال إلى علاقات ثنائية مع دول التحالف.
وبحسب الأعرجي، فإن انتهاء مهمة التحالف لا يعني نهاية الشراكة الدولية، إذ سيستمر التعاون الأمني والاستخباري وتبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات ضمن العلاقات الثنائية، في تحول يرسم طبيعة المرحلة التالية من التعاون الأمني بين العراق وشركائه.
ويأتي ذلك بعد اثني عشر عاماً من انطلاق مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وهي مرحلة بدأت في ظل ظروف أمنية استثنائية عام 2014، قبل أن تعلن بغداد والتحالف انتهاء المهمة في العراق وفق الجدول المتفق عليه.
السيادة.. دولة وقانون ومؤسسات
رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان وضع المناسبة في إطار يتجاوز البعد العسكري، وعدّ "يوم السيادة" محطة وطنية في مسيرة ترسيخ سيادة الدولة وتعزيز استقلال القرار الوطني، مشيراً إلى دور المؤسسات الدستورية في حماية الدولة وسيادتها.
وفي السياق نفسه، أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان أن يوم السيادة يمثل "منعطفاً مهماً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة"، رابطاً المناسبة باستكمال السيادة الوطنية وتعزيز قدرة الدولة على ممارسة مسؤولياتها.
أما وزارة العدل فربطت مفهوم السيادة مباشرة بسلطة القانون، إذ أكد وزير العدل خالد شواني أن ترسيخ سيادة الدولة يرتبط بتعزيز القانون وتحقيق العدالة، معتبراً المناسبة محطة وطنية في مسيرة الدولة العراقية.
من الحدود إلى الأمن الداخلي
وفي البعد الأمني، قدمت المؤسسات المعنية تصوراتها لمفهوم السيادة من زاوية السيطرة على الأرض وإنفاذ القانون، إذ أكدت وزارة الداخلية أن السيادة "تتجسد في صون الحدود وحماية المواطنين وتطبيق القانون"، مشددة على مسؤولية الأجهزة الأمنية في حماية الاستقرار الداخلي.
وأكد قائد قوات الحدود الفريق محمد عبد الوهاب سكر السعيدي أن سيادة العراق ترتبط بوحدة الأرض واستقلال القرار، فيما شدد رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر عدنان الوائلي على أن حماية المنافذ والسيطرة عليها تمثلان جزءاً من حماية سيادة الدولة.
وتضع هذه المواقف الملف الأمني أمام مرحلة مختلفة، تصبح فيها القوات العراقية صاحبة المسؤولية المباشرة عن إدارة التحديات الأمنية، بالتوازي مع استمرار التعاون والتدريب وتبادل المعلومات مع الشركاء الدوليين ضمن صيغ ثنائية.
السيادة الاقتصادية.. الثروة والغذاء
لكن رسائل "يوم السيادة" لم تتوقف عند السياسة والأمن، إذ حضرت السيادة الاقتصادية بقوة في المواقف الحكومية.
وزير المالية فالح ساري أكد أن اكتمال السيادة يعزز قدرة الدولة على حماية مواردها وإدارة ثرواتها، رابطاً الاستقلال الوطني بالقدرة على توجيه الموارد بما يخدم التنمية والاستقرار الاقتصادي.
ومن زاوية أخرى، عدّ وزير التجارة مصطفى نزار العاني الأمن الغذائي ركيزة أساسية للسيادة الوطنية، مؤكداً أن قدرة الدولة على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين تمثل أحد أبعاد السيادة.
وبذلك، تطرح المناسبة مفهوماً أوسع للسيادة لا يقاس بغياب القوات الأجنبية وحده، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة مواردها، وتأمين غذائها، وحماية حدودها، وإنفاذ قوانينها وتوفير الخدمات لمواطنيها.
ما بعد 30 أيلول
ويمثل انتهاء مهمة التحالف الدولي نقطة انتقال أكثر من كونه نهاية للعلاقات الأمنية مع الخارج؛ فالمسار المعلن يتجه نحو شراكات ثنائية، فيما تنتقل مسؤولية تثبيت المكتسبات الأمنية بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية.
وفي المقابل، تضع هذه المرحلة أمام الدولة تحديات داخلية مرتبطة بتوحيد القرار الأمني، وتعزيز سلطة المؤسسات وإنفاذ القانون، وهي ملفات أكد مسؤولون وخبراء عراقيون أهميتها في مرحلة ما بعد انتهاء مهمة التحالف.
كما تتقاطع المناسبة مع توجه رسمي لربط السيادة بعملية البناء والتنمية؛ إذ أكد أمين بغداد عمار موسى أن العاصمة ستواصل حضورها في مسيرة البناء والإعمار والتنمية، بما يعكس اتساع الخطاب الرسمي حول المناسبة من البعد الأمني إلى مفهوم الدولة وقدرتها على إدارة قطاعاتها المختلفة.
وهكذا، لا يحمل الثلاثون من أيلول دلالة انتهاء مهمة عسكرية فحسب، بل يفتح مرحلة ستكون فيها قدرة العراق على تحويل الاستقلال الأمني إلى قوة مؤسسات، وسيادة قانون، وإدارة مستقلة للموارد، وعلاقات خارجية قائمة على المصالح المتبادلة هي المعيار العملي لما تعنيه السيادة في السنوات المقبلة.
أضف تعليقاً