تحول مضيق هرمز إلى محور رئيسي في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما خلص تقييم استخباراتي عسكري أميركي إلى أن طهران باتت تنظر إلى السيطرة على الممر البحري باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية أكثر فاعلية من برنامجها النووي، في وقت حذر فيه مسؤولون عسكريون من أن محاولة انتزاع السيطرة عليه بالقوة قد تكون طويلة ومكلفة ومن دون ضمان للنجاح.
ونقلت شبكة "إن بي سي نيوز" عن مسؤولين أميركيين اطلعا على التقييم أن الأولويات الاستراتيجية الإيرانية تغيرت خلال الصراع، خصوصاً بعد الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، ما عزز أهمية مضيق هرمز في حسابات طهران.
وبحسب التقييم، ترى إيران أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق تمنحها وسيلة ضغط مباشرة على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي، بالنظر إلى أهمية الممر لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.
وقال مسؤولون أميركيون إن قادة عسكريين أبلغوا الرئيس دونالد ترامب بأن شن عملية لفرض السيطرة الأميركية الكاملة على المضيق بالقوة قد يتطلب حملة عسكرية طويلة، مع احتمال سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف القوات الأميركية، من دون ضمان تحقيق أهداف العملية.
وأضاف أحد المسؤولين أن تقديرات الخسائر المحتملة كانت من العوامل التي حضرت بقوة في مناقشات ترامب مع مستشاريه بشأن الخيارات المتاحة للتعامل مع إيران.
وتتقاطع هذه المخاوف، بحسب التقرير، مع تقديرات لثلاثة مسؤولين أوروبيين ومسؤولين عربيين من دول الخليج، قالوا إن محاولة فتح المضيق عسكرياً تنطوي على مخاطر كبيرة، من بينها تعرض السفن الحربية الأميركية لهجمات بصواريخ كروز وطائرات مسيرة.
وحذر المسؤولون من أن اندلاع مواجهة واسعة في المنطقة قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع ويضيف ضغوطاً على الاقتصاد العالمي، من دون ضمان حسم عسكري سريع.
وفي المقابل، رفضت إدارة ترامب أي انطباع بأن إيران تسيطر على الممر، وقال مسؤول في الإدارة إن مضيق هرمز "تحت سيطرة البحرية الأميركية بالكامل"، مضيفاً أن الحصار الذي تفرضه واشنطن يمنع وصول أي شيء إلى إيران ما لم تسمح الولايات المتحدة بذلك.
وقال المسؤول إن المضيق ممر مائي دولي لا تملكه أو تسيطر عليه أي دولة، مؤكداً أن واشنطن لن تقبل ترتيبات تمنح إيران حق فرض رسوم أو الحصول على موافقات مسبقة لعبور السفن.
وكان ترامب قد قال إن البحرية الأميركية تسيطر على المضيق، ووصف الحصار المفروض على إيران بأنه "جدار فولاذي لا يُخترق".
لكن حركة الملاحة عبر هرمز تراجعت بصورة حادة مقارنة بمستوياتها قبل الحرب. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، عبرت 17 سفينة فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بنحو 100 سفينة يومياً في السابق.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى أن المضيق كان يمثل قبل الحرب ممراً لنحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبره عاملاً مؤثراً في أسواق الطاقة والأسعار العالمية.
وتتمسك طهران، وفق التقرير، بمجموعة من الشروط مقابل التوصل إلى تسوية بشأن المضيق، تشمل إنهاء الحرب بصورة دائمة، وسحب القوات الأميركية من المنطقة، وإنهاء الحصار البحري، والإفراج غير المشروط عن الأصول الإيرانية المجمدة ودفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب.
ورفض ترامب هذه المطالب، قائلاً إن إيران هي التي ينبغي أن تتحمل تكلفة الأضرار التي لحقت بالقوات والمصالح الأميركية خلال المواجهة.
ويستمر التوتر الميداني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، وسط تبادل للهجمات والاعتراضات في محيط المضيق ومخاوف بشأن الضغط الذي تفرضه العمليات المستمرة على مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية.
ويكشف التقييم الأميركي، إذا تأكدت خلاصاته، عن تحول أوسع في طبيعة المواجهة مع طهران، إذ لم يعد البرنامج النووي وحده في قلب حسابات الردع، بل بات التحكم بحركة الطاقة والتجارة عبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم جزءاً أساسياً من أدوات الضغط الإيرانية.
ويضع ذلك واشنطن أمام معادلة صعبة بين استخدام القوة لفرض حرية الملاحة وما يحمله هذا الخيار من مخاطر عسكرية واقتصادية، وبين الاستمرار في المفاوضات مع طهران للتوصل إلى ترتيب بشأن المضيق في ظل تباعد شروط الجانبين.
ومع استمرار الجمود الدبلوماسي، يبقى مضيق هرمز نقطة اختبار رئيسية في الصراع، ليس فقط بسبب أهميته العسكرية، وإنما لأن أي تصعيد فيه يمكن أن يمتد سريعاً من مياه الخليج إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
أضف تعليقاً