بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

تقرير إسرائيلي يثير أسئلة أبعد من التطبيع.. هل تتحول الاتفاقات إلى ساحة صراع مؤجل؟

أعاد تقرير إعلامي إسرائيلي يتحدث عن ما وصفه بخطة لـ"تخدير إسرائيل" عبر اتفاق تطبيع، قبل الانقلاب عليه مستقبلاً والاستعداد لمواجهة عسكرية، فتح نقاش حساس يتجاوز صحة الرواية نفسها إلى مستقبل العلاقات العربية مع إسرائيل، وحدود الثقة السياسية في الاتفاقات التي تُقدَّم بوصفها أدوات للاستقرار الإقليمي.

وبينما حرصت وزارة الخارجية الأميركية على عدم تبني مضمون التقرير أو الدخول في تفاصيله، أكدت أن توسيع مسار التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة لا يزال أولوية بالنسبة إلى واشنطن، وأن توسيع اتفاقيات أبراهام يمكن أن يعزز الأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي ويسهم في ردع التهديدات.

هذا الموقف الأميركي مهم بقدر ما يتجنبه. فواشنطن لم تصادق على الادعاءات الواردة في التقرير الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه أعادت تثبيت الرؤية السياسية التي ترى في التطبيع ركيزة لإعادة تشكيل المنطقة، وهو ما يعني أن الجدل لم يعد يدور فقط حول حقيقة ما نُشر، بل حول البيئة السياسية التي تجعل مثل هذه الروايات قابلة للتداول والتأثير.

وبحسب "كنيست نيوز"، امتنعت الإدارة الأميركية عن الرد المباشر على ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية "كان" بشأن محادثات مزعومة بين دولتين في المنطقة حول إمكان توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل في الوقت الراهن، ثم التراجع عنه لاحقاً إذا تغيرت موازين القوى والظروف الإقليمية.

وتصور الرواية الإسرائيلية هذا السيناريو باعتباره محاولة لمنح إسرائيل شعوراً بالأمان عبر اتفاق سياسي، في مقابل الإعداد سراً لمرحلة مختلفة قد تصل في نهايتها إلى مواجهة عسكرية.

غير أن خطورة هذه الرواية لا تكمن فقط في مضمونها، بل في أثرها السياسي والإعلامي إذا تحولت من ادعاء غير مثبت إلى عنصر مؤثر في صناعة القرار والرأي العام.

ففي السياق العربي، يمكن لمثل هذه التسريبات أن تضيف مزيداً من الشكوك إلى علاقات تعاني أصلاً من هشاشة الثقة، وأن تعمق الانقسام بين من يرى التطبيع خياراً براغماتياً لتحقيق مصالح أمنية واقتصادية، ومن يعتبره مساراً يمنح إسرائيل شرعية إقليمية من دون معالجة جوهر الصراع الفلسطيني أو ضمان توازن حقيقي في العلاقات.

كما أن نشر رواية تقوم على فكرة "الخداع الاستراتيجي" يمكن أن يمنح التيارات الأكثر تشدداً داخل إسرائيل مادة سياسية للطعن في أي اتفاق عربي مقبل، عبر القول إن التطبيع لا يعكس تغيراً حقيقياً في المواقف، وإنما قد يكون مجرد تكتيك مؤقت لإعادة ترتيب موازين القوى.

وهنا تظهر إحدى أخطر النتائج المحتملة على المشهد العربي.

فإذا جرى التعامل مع الدول العربية باعتبارها أطرافاً قد تستخدم الاتفاقات ستاراً لمواجهة مستقبلية، فإن ذلك قد ينعكس على شروط أي مفاوضات مقبلة، ويدفع إسرائيل إلى المطالبة بضمانات أمنية أوسع، أو ترتيبات عسكرية وسياسية أكثر تشدداً، أو حتى ربط العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بقيود تمس سيادة الدول أو حرية قرارها الاستراتيجي.

وفي المقابل، قد تُقرأ مثل هذه الروايات عربياً باعتبارها محاولة لتشويه أي موقف تفاوضي عربي مسبقاً، وتحويل مجرد التفكير في بناء توازن طويل الأمد مع إسرائيل إلى دليل على نيات عدائية مخفية.

وهذا من شأنه أن يزيد صعوبة بناء أي هندسة أمنية إقليمية مستقرة، لأن الاتفاقات في هذه الحالة لن تُقرأ باعتبارها أدوات لتخفيف التوتر، بل كهدن مؤقتة تخفي وراءها حسابات مواجهة مستقبلية.

ويزداد الأمر تعقيداً في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من الحرب في غزة إلى التوتر مع إيران، مروراً بإعادة رسم التحالفات الدفاعية والاقتصادية، ما يجعل أي اتفاق تطبيع جديد جزءاً من شبكة مصالح أوسع بكثير من مجرد إقامة علاقات دبلوماسية ثنائية.

وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة تثبيت اتفاقيات أبراهام كنموذج لتوسيع التعاون الإقليمي، باعتبارها، وفق التصور الأميركي، وسيلة لزيادة التكامل الاقتصادي وخلق ترتيبات أمنية أكثر صلابة.

لكن نجاح هذا النموذج يظل مرتبطاً بعامل أساسي هو الثقة.

فإذا تحولت الروايات التي تتحدث عن "تخدير" طرف أو استدراجه إلى خطاب سائد، فإن القيمة السياسية للتطبيع نفسها ستتعرض للاهتزاز، لأن الاتفاقات ستفقد أحد أهم عناصرها، وهو افتراض أن الطرفين ينظران إليها كإطار مستقر وطويل الأمد وليس كمرحلة تكتيكية مؤقتة.

كما أن الخطر لا يقتصر على العلاقات العربية-(الإسرائيلية)، بل يمتد إلى الداخل العربي.

فأي انكشاف لتباينات بين الدول العربية بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل قد يعيد إحياء الاستقطاب الإقليمي بين محاور ترى في الانفتاح عليها ضرورة استراتيجية، وأخرى ترى أن التطبيع قبل تسوية القضية الفلسطينية يخل بموازين القوة ويضعف الموقف العربي الجماعي.

وفي هذه الحالة، يمكن أن تتحول القضية من ملف علاقات ثنائية إلى عامل إضافي في تفكك الموقف العربي المشترك.

وتبرز كذلك مشكلة أخرى تتعلق بتأثير الإعلام والتسريبات غير المثبتة في صناعة السياسة.

فالتقرير الإسرائيلي، بحسب المعلومات المتاحة، لم يقدم أدلة علنية تثبت الرواية المنسوبة إلى دولتين في المنطقة، كما أن الخارجية الأميركية لم تؤكدها. ولهذا فإن التعامل معها باعتبارها حقيقة سياسية مكتملة سيكون تجاوزاً لما هو متاح من معلومات.

لكن حتى من دون إثباتها، فإن مجرد تداولها على هذا المستوى يكشف مقدار انعدام الثقة الذي يحيط بمسارات التطبيع الجديدة.

ويجعل ذلك المشهد العربي أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على هامش المناورة والمصالح الوطنية لكل دولة، من دون السماح بتحويل الاتفاقات إلى أدوات لتكريس التبعية أو إلى أوراق اتهام متبادلة بين العرب وإسرائيل.

ومن زاوية أوسع، فإن أي اتفاق عربي-إسرائيلي لن يكون قادراً على إنتاج استقرار طويل الأمد إذا بقي منفصلاً عن معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومستقبل الأمن الإقليمي وتوازن القوة بين الأطراف.

فالتطبيع قد يفتح أسواقاً وقنوات اتصال وترتيبات أمنية، لكنه لا يستطيع وحده أن يحل مشكلة غياب الثقة السياسية.

ولهذا تبدو خطورة التقرير أقل في كونه يكشف، إن صح، خطة سرية، وأكثر في أنه يعكس مناخاً إقليمياً أصبحت فيه الشكوك المتبادلة أعمق من الاتفاقات المعلنة.

وإذا لم تُدار هذه المرحلة بحذر، فإن ما يُقدَّم اليوم باعتباره مساراً لتوسيع السلام قد يتحول غداً إلى ساحة جديدة للصراع على النوايا، بحيث تصبح كل خطوة دبلوماسية موضع شك، وكل اتفاق عرضة للتفسير باعتباره هدنة مؤقتة لا أكثر.

وفي منطقة اعتادت أن تتحول فيها الأزمات المحدودة إلى مواجهات أوسع، فإن تآكل الثقة بين الدول العربية وإسرائيل لا يهدد فقط مستقبل التطبيع، بل قد يهدد أيضاً أي محاولة لبناء نظام إقليمي أكثر استقراراً في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً