بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العالم

مصممة أثاث تقود سلاحاً أوكرانياً يضرب في عمق روسيا

تحولت إيرينا تيريخ، وهي مهندسة معمارية ومصممة أثاث أوكرانية تبلغ 34 عاماً، خلال سنوات الحرب من إدارة شركة صغيرة بعيدة عن الصناعات العسكرية إلى قيادة واحدة من أبرز شركات الدفاع الخاصة في أوكرانيا، في مسار يعكس التحول السريع الذي طرأ على صناعة السلاح الأوكرانية منذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق عام 2022.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، واطلعت عليه وترجمته وكالة النبأ، تتولى تيريخ حالياً منصبي الرئيسة التنفيذية والرئيسة التقنية لشركة "فاير بوينت"، التي يعمل لديها نحو سبعة آلاف شخص وتنتج مسيّرات بعيدة المدى وصواريخ وأنظمة دفاعية تستخدمها أوكرانيا في حربها مع روسيا.

وتبدأ قصة تيريخ مع الحرب بعد نحو أسبوعين من اندلاعها، عندما كانت تقود سيارتها قرب مدينة بوتشا شمال غربي كييف في محاولة لإخراج والدتها المريضة من المنطقة، قبل أن تتعرض السيارة لإطلاق نار روسي.

ونشرت تيريخ لاحقاً صورة لثقب أحدثته رصاصة في الجزء الخلفي من سيارتها، وكتبت على حسابها في إنستغرام أنها لم تكن تعرف القتال، لكنها ستفعل كل ما تستطيع لمنع تكرار ما حدث في بلادها، في لحظة شكلت، وفق التقرير، نقطة تحول في مسار حياتها.

قبل الحرب، كانت اهتماماتها بعيدة إلى حد كبير عن السلاح. عملت في الهندسة المعمارية وتصميم الأثاث والمساحات الحضرية، وكانت تنظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من جيل يهتم بالتصميم والمدن أكثر من اهتمامه بالمؤسسة العسكرية.

لكن الغزو الروسي غيّر أولوياتها. وانتقلت تدريجياً من العمل المدني والإنساني إلى المساهمة في احتياجات الدفاع الأوكراني، مستفيدة من خبرتها في التصميم والمواد وعمليات الإنتاج، قبل أن تدخل مجال تطوير الأسلحة الذي لم تكن تملك فيه خبرة عسكرية تقليدية.

وكان غياب الخلفية الدفاعية لدى مؤسسي "فاير بوينت" جزءاً من الطريقة التي عملت بها الشركة منذ بداياتها. وتقول الشركة إن فريقها بحث عن حلول غير تقليدية بسبب الفارق الكبير في الموارد بين أوكرانيا وروسيا، مركزاً على أسلحة يمكن تصنيعها بكميات كبيرة وبتكلفة تسمح باستخدامها على نطاق واسع.

ومن أبرز نتائج هذا النهج المسيّرة بعيدة المدى "FP-1"، التي أصبحت أحد المنتجات الرئيسية للشركة، وصُممت ضمن مفهوم يقوم على إيجاد وسيلة أقل تكلفة لتنفيذ ضربات بعيدة المدى وقادرة على العمل في بيئة تتعرض لتشويش إلكتروني كثيف.

ولعبت خلفية تيريخ في التصميم والتصنيع دوراً في تطوير أساليب الإنتاج، إذ تعاملت مع أجزاء المسيّرات باعتبارها مشكلة هندسية وإنتاجية يمكن إعادة تصميمها لتقليل الوقت والتعقيد وتسريع التصنيع، بدلاً من التعامل معها وفق النماذج التقليدية لصناعة الأسلحة.

ومع توسع الحرب، انتقلت "فاير بوينت" إلى مشاريع أكثر طموحاً، أبرزها صاروخ كروز "FP-5"ها على الأسلحة الغربية في هذا المجال.

وقالت "وول ستريت جورنال" في تقرير سابق من داخل إحدى منشآت الشركة إن "فلامنغو" يزيد طوله على طول حافلة مدينة ويزن قرابة سبعة أطنان، وإن تطويره يأتي ضمن سعي أوكرانيا إلى امتلاك صواريخ محلية تستطيع الوصول إلى أهداف في عمق الأراضي الروسية.

ويحمل الصاروخ، وفق التقرير الأحدث للصحيفة، رأساً حربياً يبلغ وزنه نحو 2500 رطل، أي أكثر من 1100 كيلوغرام، ما يجعله مختلفاً بصورة كبيرة عن المسيّرات الهجومية الأخف التي شكلت خلال السنوات الأولى للحرب ركناً أساسياً من استراتيجية الضربات الأوكرانية.

وباتت تيريخ تظهر في المعارض والمنتديات الدفاعية الأوروبية للترويج لمنتجات الشركة والبحث عن شركاء، في تحول لافت لشخصية كانت قبل سنوات قليلة تعمل في تصميم المقاعد والأثاث والمساحات المدنية.

وتعكس قصتها، بحسب "وول ستريت جورنال"، تحولاً أوسع داخل أوكرانيا، حيث دفعت الحرب مهندسين ومبرمجين ومصممين وشركات ناشئة لا تملك تاريخاً في الصناعات العسكرية إلى دخول قطاع الدفاع وتطوير حلول بوتيرة أسرع من دورات الإنتاج التقليدية لدى شركات السلاح الكبرى.

وأصبحت هذه المرونة جزءاً مهماً من نموذج الحرب الأوكراني، إذ يجري تعديل التقنيات والأسلحة استناداً إلى الخبرة الميدانية بسرعة، بينما تتغير وسائل التشويش والاعتراض الروسية باستمرار، ما يفرض دورة متواصلة من التطوير والاختبار وإعادة التصميم.

وتقول "فاير بوينت" إن مهندسيها يرافقون العسكريين خلال بعض عمليات استخدام منتجاتها للحصول على بيانات مباشرة عن أدائها، وإن تصميماتها تمر بمعايير تشمل إمكانية الإنتاج على نطاق واسع والجدوى الاقتصادية والعلاقة بين تكلفة السلاح وحجم الضرر الذي يستطيع إحداثه.

وفي الوقت نفسه، يمثل تطوير أسلحة محلية بعيدة المدى بعداً استراتيجياً لكييف يتجاوز الابتكار الصناعي، إذ يمنحها هامشاً أكبر في اختيار الأهداف والعمليات من دون الاعتماد الكامل على ذخائر يقدمها الحلفاء الغربيون، والتي ارتبط استخدامها في مراحل مختلفة بقيود سياسية وشروط تتعلق بضرب الأراضي الروسية.

وتشير الصحيفة إلى أن المسيّرات والصواريخ التي تنتجها الشركة باتت جزءاً من القدرة الأوكرانية على الوصول إلى أهداف داخل روسيا، بينما تحولت صناعة الطائرات غير المأهولة إلى أحد أبرز مجالات الابتكار في الحرب.

لكن صعود تيريخ يحمل بعداً آخر أيضاً، إذ تعمل في قطاع دفاعي يهيمن عليه الرجال، وأصبحت واحدة من الوجوه الأوكرانية البارزة في المعارض والنقاشات الدولية المرتبطة بإعادة تسليح أوروبا وتطوير الصناعات الدفاعية.

وتبدو المفارقة الأبرز في مسيرتها في المسافة التي قطعتها بين حياتها قبل الحرب ودورها الحالي. فالمرأة التي كانت تصمم أثاثاً ومساحات مخصصة للحياة المدنية أصبحت تقود آلاف العاملين في شركة تنتج أنظمة صُممت للوصول إلى أهداف على بعد مئات وربما آلاف الكيلومترات.

وتضع "وول ستريت جورنال" قصة تيريخ ضمن صورة أكبر للتحول الذي أحدثته الحرب في المجتمع والصناعة الأوكرانيين؛ إذ لم تعد صناعة السلاح حكراً على المصانع العسكرية التقليدية، بل أصبحت تستقطب خبرات قادمة من التكنولوجيا والهندسة والتصميم والقطاع المدني.

وبالنسبة إلى تيريخ، لم يكن الانتقال إلى صناعة الأسلحة مساراً مهنياً مخططاً له، بل نتيجة مباشرة للحرب التي وصلت إليها شخصياً في الأيام الأولى للغزو.

وبعد أكثر من أربعة أعوام، أصبحت الشركة التي تقودها جزءاً من محاولة أوكرانيا تحويل التفوق الروسي في الحجم والموارد إلى سباق مختلف، يقوم على السرعة والابتكار والإنتاج المحلي والأسلحة بعيدة المدى.


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً