تتجه دعاوى قضائية في الولايات المتحدة إلى استخدام تطورات علم المناخ لتحديد مسؤولية شركات الوقود الأحفوري عن الأضرار المرتبطة بتغير المناخ، في وقت تنظر فيه المحكمة العليا الأمريكية في قضية قد تؤثر في أكثر من 20 دعوى رفعتها بلديات ضد شركات النفط والغاز والفحم.
وتتمحور القضية، المعروفة باسم "سنكور للطاقة ضد مفوضي مقاطعة بولدر"، حول دعاوى تستند إلى قوانين المسؤولية التقصيرية في الولايات، وتسعى إلى تحميل شركات الوقود الأحفوري تكاليف أضرار مناخية. وتدفع الشركات بأن هذه القضايا تخالف القانون الفيدرالي، وأن معالجة قضايا تغير المناخ ينبغي أن تتم عبر السلطات السياسية وليس المحاكم.
وتشمل الدعاوى القائمة بلديات وقبائل ومدعين عامين في عدد من الولايات، فيما وصلت بعض القضايا إلى مراحل جمع الأدلة تمهيداً للمحاكمة. كما أقرت ولاية فيرمونت قانوناً خاصاً بصندوق المناخ قد يلزم شركات الوقود الأحفوري بدفع تعويضات عن الأضرار المناخية إذا صمد أمام الطعون القضائية، بينما تنظر ولاية واشنطن في دعوى تتعلق بوفاة امرأة خلال موجة حر.
وفي موازاة المسار القضائي، برز خلال العقدين الماضيين مجال علمي يعرف باسم "علم الإسناد"، يهدف إلى تحديد مدى تأثير تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري في الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر والفيضانات.
ويعتمد هذا العلم على مقارنة الظروف المناخية التي وقعت فيها ظاهرة متطرفة بعالم افتراضي يخلو من التأثير البشري في الغلاف الجوي، بما يسمح للباحثين بتقدير مدى مساهمة ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في زيادة احتمال الظاهرة أو شدتها.
وأظهرت دراسات حديثة تطوراً في القدرة على تحديد هذه العلاقة، إذ خلصت إحدى الدراسات إلى أن موجات الحر بين عامي 2010 و2019 أصبحت أكثر احتمالاً بنحو 200 مرة مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. كما ربطت دراسة أخرى انبعاثات 111 شركة كبرى للوقود الأحفوري بأضرار اقتصادية عالمية بلغت نحو 28 تريليون دولار بين عامي 1991 و2020 نتيجة موجات الحر وحدها.
ووفق الدراسة نفسها، نُسبت إلى انبعاثات شركات شيفرون وإكسون موبيل وبي بي خسائر بلغت، على التوالي، 1.98 تريليون دولار و1.91 تريليون دولار و1.45 تريليون دولار.
ويواجه علم الإسناد انتقادات من جانب حلفاء صناعة الوقود الأحفوري، خصوصاً بشأن قدرة النماذج المناخية على ربط أحداث مناخية فردية بالاتجاهات طويلة الأجل. كما يقر الباحثون بوجود حدود في النماذج المستخدمة، مع استمرار تطور المنهجيات العلمية.
وفي المقابل، حظي علم الإسناد باهتمام مؤسسات علمية دولية، من بينها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي خصصت له مساحة في تقريرها لعام 2021، إضافة إلى تقارير للأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب تناولت إسناد الظواهر الجوية المتطرفة.
ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن تطور علم الإسناد يمكن أن يضيّق الفجوة بين إثبات تغير المناخ وتحديد المسؤولية عن الأضرار الناتجة عنه، بما قد يفتح المجال أمام قضايا قانونية أكثر تحديداً بشأن الجهات التي ساهمت في الانبعاثات والأضرار المناخية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه شركات الوقود الأحفوري إلى الحد من تعرضها للمساءلة القانونية، يشير مسار القضايا والدراسات العلمية إلى استمرار تطور العلاقة بين علم المناخ والقانون. وقد يؤدي تقدم علم الإسناد إلى توفير أدوات أكثر دقة للمحاكم مستقبلاً عند بحث المسؤولية عن الأضرار المرتبطة بتغير المناخ.
أضف تعليقاً