يطرح التقرير الخاص الصادر عن مؤسسة أوبزرفر للأبحاث – الشرق الأوسط، ترجمته وكالة النبأ ، والذي يحمل عنوان (ما بعد واشنطن: الشراكات الخليجية تحت المراجعة)، قراءة في التحولات التي طرأت على علاقات دول الخليج مع القوى الدولية، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026، وما كشفته من تحديات تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها ومصالحها الاقتصادية.
ويشير التقرير، إلى أن المواجهة لم تقتصر آثارها على إعادة رسم المشهد الأمني في الشرق الأوسط، بل امتدت لتضع شبكة الشراكات التي بنتها دول الخليج خلال السنوات الماضية أمام اختبار حقيقي، ولا سيما علاقاتها مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وروسيا وتركيا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية.
ويرى التقرير أن إغلاق إيران مضيق هرمز، وما رافقه من اضطراب في حركة الملاحة والتهديدات التي طالت البحر الأحمر، كشف حجم الترابط بين أمن الخليج والأسواق العالمية، خصوصاً في مجالات النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة وسلاسل الإمداد، فضلاً عن تأثير ذلك في الخطط الاقتصادية التي تسعى دول الخليج من خلالها إلى تقليل اعتمادها على عائدات الطاقة التقليدية.
الشراكات بين الخطاب السياسي والالتزام العملي
ومن أبرز الخلاصات التي يسلط التقرير الضوء عليها، وجود فجوة بين الخطاب السياسي الذي يصف العلاقات الدولية بأنها شراكات استراتيجية، وبين مستوى الالتزام الفعلي الذي تبديه الدول عندما تتعرض مصالح شركائها الخليجيين لتهديد مباشر. فقد أظهرت الحرب أن قوة العلاقات الثنائية لا تعني بالضرورة استعداد الأطراف المعنية لتقديم دعم عملي في أوقات الأزمات.
كما يبرز التقرير التحول المتزايد في حسابات دول الخليج نحو القدرات العسكرية والتكنولوجية، بعد أن أصبحت أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية ومخزونات الذخائر والتعاون في الصناعات الدفاعية عناصر أساسية في تقييم الشراكات الخارجية، بدلاً من الاكتفاء بالاتفاقيات السياسية والتصريحات الدبلوماسية.
آسيا وأوروبا.. شركاء متعددون وحسابات مختلفة
خصص التقرير قسمه الأول لدراسة علاقات دول الخليج مع القوى الآسيوية، متناولاً ثمانية ملفات موزعة بين آسيا وأوروبا، إذ يناقش دور كوريا الجنوبية في الانتقال من مجرد مورد للأسلحة إلى شريك أمني، والتحديات التي تواجه اليابان في الموازنة بين تحالفها مع الولايات المتحدة وحماية مصالحها في مجال الطاقة والحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية مع أطراف المنطقة.
كما يتناول الموقف الهندي وما كشفته الحرب من صعوبات أمام سياسة الاستقلال الاستراتيجي التي تتبعها نيودلهي، فضلاً عن موقف الصين الذي اتسم بالحياد خلال المواجهة، وما أثاره ذلك من تساؤلات بشأن طبيعة الشراكات الاستراتيجية الشاملة التي تربط بكين بدول مجلس التعاون الخليجي.
أما في القسم الأوروبي، فيستعرض التقرير العلاقات الدفاعية الفرنسية مع الإمارات وقطر والكويت، ودور إيطاليا في الاستجابة لاحتياجات الدفاع الجوي الخليجي، ولا سيما من خلال منظومات سامب/تي، إلى جانب الموقف البريطاني الذي اتخذ طابعاً عملياً عبر إتاحة قواعده لتنفيذ ضربات دفاعية ضد إيران.
ويتوقف التقرير أيضاً عند العلاقات الروسية الخليجية، مشيراً إلى المفارقة التي برزت خلال الحرب، إذ استفادت موسكو اقتصادياً من ارتفاع عائدات النفط، في الوقت الذي تحدثت فيه تقارير عن تقديمها دعماً استخبارياً لإيران، وعدم استخدامها نفوذها لدى طهران لحماية مصالح شريكها الاقتصادي الخليجي الأبرز، الإمارات.
تنويع الشراكات لم يعد خياراً ثانوياً
وتكشف القراءة العامة للتقرير أن دول الخليج تواجه تحدياً يتجاوز البحث عن حلفاء جدد، ويتمثل في إعادة تقييم قيمة الشراكات القائمة على أساس قدرتها على توفير الدعم الفعلي عند الأزمات. فالاعتماد على طرف دولي واحد لم يعد كافياً لضمان المصالح الأمنية والاقتصادية، رغم استمرار أهمية الدور الأمريكي في معادلات أمن المنطقة.
وفي هذا السياق، لا يدعو التقرير إلى استبدال الشراكة مع واشنطن أو الانتقال إلى محور دولي آخر، بقدر ما يسلط الضوء على توجه خليجي نحو توسيع قاعدة العلاقات الأمنية والدفاعية، وتوزيع الأعباء والمصالح على مجموعة أكبر من الشركاء، بما يمنح دول المنطقة هامشاً أوسع للمناورة والاستجابة للتهديدات.
ويخلص التقرير إلى أن الحرب أظهرت محدودية الاعتماد على التقارب التاريخي والخطاب الدبلوماسي وحدهما في بناء علاقات استراتيجية موثوقة، وأن مستقبل الشراكات الخليجية سيتحدد بدرجة أكبر وفق ما يستطيع الشركاء تقديمه من قدرات ومواقف ملموسة في لحظات الاختبار، وليس وفق ما يعلنونه من التزامات في أوقات الاستقرار.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لإعادة صياغة مفهوم الشراكة الخليجية مع القوى الدولية، لتصبح أكثر ارتباطاً بالأمن العملي وتوازن المصالح والقدرة على مواجهة الأزمات، في منطقة باتت فيها تداعيات الصراعات تتجاوز حدودها الجغرافية لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
أضف تعليقاً