بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العراق

صمود النخيل.. كيف تتحول بساتين العراق إلى خط دفاع في مواجهة التصحر والعواصف الترابية؟

النبأ - في بلد تتسع فيه رقعة الأراضي الجافة وتتكرر فيه العواصف الترابية، لم تعد النخلة العراقية مجرد شجرة مثمرة ترتبط بتاريخ البلاد وهويتها الزراعية، بل أصبحت تمثل أحد الخيارات البيئية المهمة لمواجهة التصحر وتدهور التربة. فبين جذورها الممتدة في الأرض وسعفها القادر على تحمل الرياح، تؤدي بساتين النخيل دوراً يتجاوز إنتاج التمور، من خلال حماية المحاصيل الزراعية وتخفيف سرعة الرياح والمساهمة في استقرار الغطاء النباتي.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن نخيل التمر يتمتع بقدرة على تحمل الرياح الصيفية الحارة والمحملة بالغبار، ويساعد على حماية المحاصيل الأخرى من خلال تخفيف قوة الرياح وتوفير ظروف بيئية أكثر ملاءمة لنمو النباتات الحساسة، وهي خصائص تمنحه أهمية خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعاني من تدهور الغطاء النباتي وانجراف التربة.
ولا تقتصر تداعيات العواصف الترابية على تراجع الرؤية واضطراب حركة النقل، بل تمتد إلى الإنتاج الزراعي والاقتصاد الوطني، إذ كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة "Middle East Development Journal" في كانون الثاني 2023، بعنوان "تأثير العواصف الرملية والترابية في الزراعة بالعراق"، أن التعرض لهذه العواصف يؤثر سلباً في إنتاجية المحاصيل والغطاء النباتي والثروة الحيوانية.
ووفقاً للدراسة، فإن وقوع عاصفة رملية أو ترابية إضافية يرتبط بانخفاض قيمة الإنتاج المحصولي بنسبة 1.1 بالمئة، فيما تتراوح خسائر غلة المحاصيل بين 0.9 و3 بالمئة لكل يوم إضافي من العواصف. وقدرت الدراسة الأثر الاقتصادي المرتبط بانخفاض قيمة الإنتاج بنحو 100 مليون دولار، وفق النموذج البحثي المستخدم، وهو ما يعكس حجم المخاطر الاقتصادية الناجمة عن تدهور الظروف البيئية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز بساتين النخيل بوصفها جزءاً من منظومة طبيعية لحماية الأراضي الزراعية، إذ تساعد الأشجار المزروعة ضمن أحزمة نباتية متكاملة على تقليل سرعة الرياح بالقرب من سطح الأرض، والحد من انجراف التربة في المناطق المحمية، فضلاً عن توفير الظلال اللازمة لزراعة محاصيل أخرى، بما يعزز كثافة الغطاء النباتي ويقلل تعرض التربة للعوامل الجوية.
غير أن الأهمية البيئية للنخيل تتزامن مع تراجع تاريخي كبير في أعداده داخل العراق، إذ تشير بيانات أوردها المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) في دليل علمي صادر عام 2015 إلى انخفاض أعداد النخيل من نحو 33 مليون نخلة خلال سبعينيات القرن الماضي إلى قرابة 16 مليون نخلة عام 2012، ما يمثل تراجعاً يقارب 52 بالمئة خلال تلك المدة.
ويكشف هذا الانخفاض عن حجم التحولات التي شهدتها البيئة الزراعية العراقية، ولا سيما أن فقدان البساتين لا يعني تراجع إنتاج التمور فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى خسارة جزء من الغطاء النباتي الذي يسهم في حماية الأراضي الزراعية من الرياح والتعرية، رغم أن هذه الأرقام التاريخية لا تعكس بالضرورة الأعداد الحالية للنخيل في البلاد.
وفي المقابل، تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن إنتاج العراق من التمور بلغ نحو 735 ألفاً و400 طن عام 2022، ما يؤكد استمرار الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع وإمكانات تطويره، مع ضرورة التمييز بين ارتفاع الإنتاج الزراعي واتساع المساحات الخضراء، إذ يمكن أن تتحسن الإنتاجية نتيجة تطوير أساليب الري والخدمة الزراعية دون زيادة مماثلة في أعداد الأشجار.
وتطرح الدراسات العلمية إمكانات أوسع لاستثمار النخيل في مواجهة التصحر، إذ تناولت دراسة بحثية عراقية مشروع إنشاء حزام أخضر من أشجار النخيل والزيتون على امتداد المصب العام، بالاعتماد على مياه البزل الزراعي وحصاد مياه الأمطار.
وأظهرت نتائج الدراسة أن استثمار 30 بالمئة من المياه المالحة المتاحة في المصب العام قد يتيح، وفق افتراضات النموذج البحثي، زراعة حزام أخضر بعرض صافٍ يبلغ 9.74 كيلومترات على جانبي مسار يمتد نحو 526 كيلومتراً من شمال بغداد باتجاه البصرة، بما يوفر تصوراً بحثياً لإمكان توظيف المياه غير التقليدية في مكافحة التصحر والحد من التعرية والعواصف الترابية.
وتبقى هذه الأرقام ضمن إطار الدراسة النظرية، ولا تعني تنفيذ المشروع فعلياً، لكنها تقدم نموذجاً لإمكان الجمع بين زراعة الأشجار واستثمار الموارد المائية المتاحة، شريطة مراعاة مستويات الملوحة واحتياجات الري والجدوى الاقتصادية والبيئية.
وعلى المستوى المؤسسي، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في 30 كانون الثاني 2026، إطلاق تنفيذ مبادرة "بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية" في العراق، بالتعاون مع وزارة الزراعة العراقية وبدعم من الحكومة الصينية، بعد اختيار نخيل التمر منتجاً زراعياً ذا أولوية.
وتهدف المبادرة إلى تطوير سلسلة القيمة المرتبطة بالتمور، بدءاً من الإنتاج والتصنيع وصولاً إلى التسويق والوصول إلى الأسواق العالمية، بما يعزز فرص الاستثمار في هذا القطاع، ويفتح المجال أمام ربط التنمية الزراعية باستعادة الغطاء النباتي وتحسين الإدارة المستدامة للأراضي.
ورغم قدرة النخيل على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة والظروف المناخية القاسية، فإن التوسع بزراعته يواجه تحديات تتعلق بشح المياه وملوحة التربة وارتفاع تكاليف إنشاء البساتين، إذ تؤكد المراجع الفنية لمنظمة الفاو أن نجاح زراعة النخيل يعتمد على توفير الظروف المناسبة للري والتربة والحماية من الرياح الشديدة، ولا سيما خلال المراحل الأولى من نمو الفسائل.
وتوصي المنظمة بإنشاء مصدات للرياح قبل تأسيس البساتين التجارية بفترة تتراوح بين سنة وسنتين، لحماية الأشجار الصغيرة من الأضرار المحتملة، وهو ما يشير إلى أن النخيل نفسه يحتاج إلى إجراءات حماية خلال مراحل نموه الأولى، قبل أن يؤدي دوره في حماية المحاصيل الأخرى.
وتؤكد هذه المعطيات أن مواجهة التصحر لا يمكن أن تعتمد على زراعة النخيل وحدها، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل إنشاء الأحزمة الخضراء متعددة الأنواع، وإدارة الموارد المائية بكفاءة، ومعالجة ملوحة التربة، واستصلاح الأراضي المتدهورة، إلى جانب حماية البساتين القائمة من التجريف والإهمال.
وفي ظل التحديات المناخية المتزايدة، يمكن أن تتحول زراعة النخيل من نشاط اقتصادي تقليدي إلى استثمار بيئي طويل الأمد، يجمع بين إنتاج الغذاء وحماية الأراضي الزراعية وتوفير فرص العمل وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع التغيرات المناخية.
وبينما لا تتوافر أدلة ميدانية كافية لتحديد نسبة ثابتة يمكن أن تخفض بها بساتين النخيل العواصف الترابية على مستوى العراق، فإن الدراسات والمراجع الزراعية تؤكد أهمية الأشجار والأحزمة النباتية في تقليل سرعة الرياح وحماية التربة ضمن نطاق تأثيرها المحلي.
وهكذا، فإن استعادة بساتين النخيل وتوسيع زراعتها وفق خطط علمية مدروسة لا تمثل مجرد محاولة لإحياء أحد أبرز رموز التراث العراقي، بل يمكن أن تشكل جزءاً من استجابة وطنية لمواجهة التصحر وتدهور الأراضي، وتحويل النخلة إلى عنصر فاعل في حماية البيئة وتعزيز الأمن الغذائي للأجيال المقبلة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً