بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
تنمية

الري الذكي في العراق.. تقنيات التنقيط والحساسات تفتح طريقاً للحد من هدر المياه في البساتين

في بلد يواجه ضغوطاً مائية متزايدة، لم يعد تحديث أساليب الري خياراً زراعياً فحسب، بل بات ضرورة للحفاظ على الأراضي والبساتين واستدامة الإنتاج. وبينما لا يزال الري بالغمر مستخدماً على نطاق واسع في الزراعة العراقية، تبرز أنظمة الري بالتنقيط والحساسات الذكية بوصفها حلولاً تتيح إيصال المياه إلى جذور النباتات وفق احتياجاتها الفعلية، بدلاً من إغراق مساحات واسعة بكميات قد يُفقد جزء كبير منها بالتبخر أو التسرب.

وتشير بيانات وتقارير دولية ودراسات ميدانية عراقية إلى وجود فرص ملموسة لرفع كفاءة استخدام المياه عبر هذه التقنيات، وإن كانت النتائج تختلف باختلاف نوع المحصول والتربة والظروف المناخية وطريقة إدارة منظومة الري.

الحساسات تضبط مواعيد الري

وتعتمد أنظمة الري الذكي على مجموعة من التقنيات، أبرزها شبكة الأنابيب والنقاطات التي توصل المياه مباشرة إلى المنطقة المحيطة بجذور الأشجار، وحساسات رطوبة التربة التي تقيس مستوى المياه المتاح للنبات، فضلاً عن وحدات التحكم الآلي التي تنظم تشغيل المضخات والصمامات وفق القراءات المسجلة.

وتتيح هذه المنظومة تقليل الري غير الضروري، إذ يمكن برمجة تشغيلها عندما تنخفض رطوبة التربة عن مستوى محدد يتناسب مع نوع الأشجار ومرحلة نموها وطبيعة الأرض، بدلاً من الاعتماد على مواعيد ثابتة قد لا تتوافق مع احتياجات النباتات الفعلية.

وتكمن أهمية هذه التقنيات في البساتين العراقية، ولا سيما بساتين النخيل والحمضيات وأشجار الفاكهة، في إمكانية توجيه المياه إلى منطقة الجذور والحد من انتشارها في مساحات لا تحتاج إليها الأشجار، فضلاً عن تحسين انتظام توزيع المياه وتقليل احتمالات الإفراط في الري.

وفي دراسة ميدانية أجراها المركز الوطني لإدارة الموارد المائية التابع لوزارة الموارد المائية العراقية، ونشرتها مجلة الموارد المائية وعلوم الأرض في آذار 2026، قورنت منظومة الري بالتنقيط المستجيب لاحتياجات النبات بنظام الري بالتنقيط التقليدي تحت سطح التربة، باستخدام محصول الباذنجان في محطة أبحاث الرائد بمنطقة أبو غريب في بغداد.

وأظهرت النتائج أن كفاءة الري في النظام المستجيب كانت أعلى بنحو 55% مقارنة بالنظام التقليدي، فيما ارتفعت إنتاجية المياه، وهي كمية المحصول المنتجة مقابل كل متر مكعب من المياه المستخدمة، من 1.1 كيلوغرام إلى 1.7 كيلوغرام لكل متر مكعب.

ورغم أن التجربة أُجريت على محصول الباذنجان، فإن نتائجها تقدم مؤشراً على إمكانات أنظمة الري المستجيب، التي يمكن توظيف مبادئها في إدارة ري البساتين، مع ضرورة اختبارها وفق احتياجات كل نوع من الأشجار وطبيعة التربة.

أرقام عن كفاءة الري في العراق

وتشير دراسة منشورة في مجلة "Journal of Water and Land Development" في كانون الأول 2024، تناولت تقنيات الري الدقيق والري الناقص والري بالتنقيط في ثلاث مناطق زراعية عراقية، إلى أن تقنيات الري المستدامة حققت وفراً في المياه تراوح بين 20 و30% مقارنة بالري بالغمر.

وخلصت الدراسة، التي شملت محاصيل الحنطة والذرة والأرز، إلى أن الري الدقيق أسهم في زيادة إنتاجية المحاصيل بنسب تراوحت بين 33 و38%، ورفع كفاءة استخدام المياه بنسب تراوحت بين 46 و51% مقارنة بالري التقليدي. ولا تمثل هذه النسب نتائج خاصة ببساتين الفاكهة، لكنها تعكس الفارق الذي يمكن أن تحققه إدارة المياه بصورة أكثر دقة.

وفي تجربة أخرى، أشار برنامج الأغذية العالمي، وفق تقرير نشرته وكالة فرانس برس في آذار 2024، إلى أن أنظمة الري الحديثة التي أدخلها لمساعدة المزارعين العراقيين تستخدم مياهاً أقل بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالري بالغمر.

وشملت المبادرة أكثر من 1,100 مزارع في المناطق الأكثر تأثراً بالتغير المناخي والجفاف. ونقل التقرير عن مزارع في محافظة الأنبار قوله إنه أصبح يروي عشرة دونمات بالكمية نفسها من المياه التي كان يستخدمها لري دونم واحد سابقاً، فيما ارتفع إنتاجه من الحنطة من سبعة أطنان إلى 12 طناً سنوياً.

وتوضح هذه التجربة أن التحول إلى تقنيات الري الحديثة لا يقتصر أثره على تقليل استهلاك المياه، بل يمكن أن ينعكس أيضاً على حجم الإنتاج الزراعي، وإن كانت النتائج مرتبطة بنوع النظام والمحصول وظروف المزرعة.

بيانات الأقمار الصناعية لمراقبة المياه

ولا تقتصر تقنيات إدارة الري على المعدات المستخدمة داخل البساتين، إذ تتجه المؤسسات الدولية إلى الاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية وأدوات الرصد الرقمي لتحديد كفاءة استخدام المياه ومراقبة الاحتياجات الزراعية.

وفي هذا السياق، عرضت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، خلال مؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه في أيار 2025، تطبيقات بوابة "WaPOR" المتخصصة في رصد إنتاجية المياه، والتي تعتمد على بيانات الاستشعار عن بُعد لتقدير التبخر والنتح وإنتاج الكتلة الحيوية واستخدام المياه الجوفية.

وشملت التطبيقات مشروع ري غرب الغراف، الذي يغطي نحو 84 ألف هكتار في محافظتي واسط وذي قار، فضلاً عن مشروع تجريبي في منطقة شمامك بسهل أربيل يمتد على مساحة 15 ألف هكتار، بهدف تقييم استخدام المياه الجوفية ومعدلات تغذيتها.

وتوفر هذه الأدوات بيانات يمكن الاستفادة منها في تحديد المناطق التي تعاني من استهلاك مائي مرتفع أو تراجع في إنتاجية المياه، بما يساعد الجهات الزراعية على تحسين توزيع الموارد وتوجيه خطط الري وفق الاحتياجات الفعلية.

تحديات الانتقال إلى الري الذكي

وعلى الرغم من المزايا التي توفرها هذه الأنظمة، فإن تعميمها في البساتين العراقية يواجه تحديات تتعلق بكلفة إنشاء الشبكات وشراء الحساسات ووحدات التحكم، فضلاً عن الحاجة إلى الصيانة الدورية وتوفير قطع الغيار وتدريب المزارعين على تشغيلها.

كما يتطلب نجاح الري بالتنقيط إجراء فحوص دورية للمياه وتنظيف المرشحات والنقاطات لمنع انسدادها، إلى جانب تحديد الاحتياجات المائية لكل نوع من الأشجار ومراعاة اختلاف أعمارها ومراحل نموها وطبيعة التربة.

ويبرز كذلك تحدي الملوحة، إذ إن تقليل كميات المياه من دون إدارة مناسبة قد يؤدي إلى تراكم الأملاح في منطقة الجذور، الأمر الذي يجعل تصميم منظومة الري وجدولة تشغيلها وإدارة الصرف الزراعي عناصر أساسية لضمان استدامتها.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أهمية الجمع بين تقنيات الرصد الميداني والبيانات الفضائية والتخطيط التشاركي، في إطار جهود تحسين كفاءة استخدام المياه وتعزيز قدرة القطاع الزراعي العراقي على مواجهة التغيرات المناخية.

ومع تزايد الضغوط على الموارد المائية، يبدو أن مستقبل البساتين العراقية لن يرتبط فقط بتوفير المياه، بل بكيفية إدارتها وتوجيهها. فالانتقال من الري وفق المواعيد التقليدية إلى الري القائم على قياس رطوبة التربة واحتياجات الأشجار يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الهدر والحفاظ على الإنتاج، شريطة أن ترافقه برامج دعم للمزارعين وإرشاد زراعي ومتابعة فنية تضمن كفاءة هذه التقنيات على المدى الطويل.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً