بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العراق

العراق بين صيف الكهرباء القاسي وانتعاش الخزين المائي.. أزمة الطاقة تتفاقم رغم تحسن مؤشرات المياه

خاص النبأ: يشهد العراق خلال صيف عام 2026 مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تواجه فيه البلاد أزمة حادة في تجهيز الطاقة الكهربائية مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة وزيادة الطلب على الاستهلاك، تسجل الموارد المائية تحسناً كبيراً مقارنة بالسنوات السابقة التي شهدت موجات جفاف قاسية هددت الزراعة ومخزونات السدود.

وتحوّلت أزمة الكهرباء مجدداً إلى أحد أبرز الملفات الخدمية الضاغطة على الحكومة العراقية، بعد أن سجلت أغلب المحافظات انخفاضاً واضحاً في ساعات التجهيز، وسط شكاوى واسعة من المواطنين واحتجاجات في عدد من مدن الوسط والجنوب، حيث بات انقطاع التيار خلال ساعات الذروة اليومية جزءاً من المعاناة المتكررة خلال أشهر الصيف.

أزمة الكهرباء.. إنتاج أقل من الحاجة

تواجه منظومة الطاقة الكهربائية العراقية فجوة كبيرة بين حجم الطلب والإنتاج المتاح، إذ تحتاج البلاد في ذروة الصيف إلى ما يقارب 60 ألف ميغاواط لتغطية الاستهلاك، في حين لا يتجاوز الإنتاج الفعلي المتاح نحو 20 ألف ميغاواط وفق تقديرات رسمية، ما يترك عجزاً ينعكس مباشرة على ساعات التجهيز للمواطنين.

وتشير وزارة الكهرباء إلى أن الظروف الإقليمية الأخيرة، ومنها توقف إمدادات الغاز الإيراني، أثرت بشكل مباشر في قدرة محطات الإنتاج، خصوصاً أن الغاز المستورد يمثل مصدراً رئيسياً لتشغيل عدد كبير من المحطات الكهربائية.

كما أدى تراجع إنتاج الغاز المصاحب من بعض الحقول النفطية إلى زيادة الضغوط على منظومة الطاقة، فيما أكدت وزارة الكهرباء أن الخسائر الناتجة عن توقف بعض مصادر الوقود أدت إلى فقدان أكثر من 8 آلاف ميغاواط من القدرة الإنتاجية.

وتعد مشكلة الوقود واحدة من أبرز التحديات التي تواجه قطاع الكهرباء في العراق، إذ ما تزال البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغاز من الخارج لتشغيل محطات التوليد، رغم امتلاكها احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي وعدم استثمار جزء كبير من الغاز المصاحب للعمليات النفطية.

ملف الغاز والعقوبات.. أزمة متشابكة

يرتبط ملف الكهرباء العراقي بشكل وثيق بالعلاقات الإقليمية والدولية، خصوصاً فيما يتعلق بالغاز الإيراني، إذ تواجه بغداد صعوبات في تسديد مستحقات مالية مرتبطة باستيراد الطاقة بسبب القيود والعقوبات الأميركية المفروضة على التعاملات المالية مع طهران.

وتؤكد الحكومة العراقية بشكل متكرر أنها تعمل على تقليل الاعتماد على الغاز المستورد عبر مشاريع استثمار الغاز المحلي، ومن بينها مشاريع استثمار الغاز المصاحب في الحقول النفطية، إلا أن تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى سنوات للوصول إلى مرحلة تغطية حاجة محطات الكهرباء.

ويرى مراقبون أن استمرار أزمة الكهرباء رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق يعكس وجود تحديات هيكلية تشمل ضعف شبكات النقل والتوزيع، وارتفاع الهدر الفني والتجاري، وتأخر مشاريع الطاقة المتجددة، إضافة إلى النمو المتسارع في الطلب على الكهرباء.

ملف الخدمات يعود إلى الواجهة

مع ارتفاع درجات الحرارة التي تجاوزت في بعض المناطق الجنوبية حاجز الـ50 درجة مئوية، عادت أزمة الكهرباء لتكون محوراً رئيسياً في الاحتجاجات الشعبية، خصوصاً في المحافظات التي تعاني من ساعات تجهيز محدودة.

ويطالب المحتجون بتحسين ساعات التجهيز، ومعالجة مشكلات الشبكات، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التأخر في تنفيذ مشاريع الطاقة، مؤكدين أن أزمة الكهرباء أصبحت من أكثر الملفات تأثيراً على حياة المواطنين والاقتصاد المحلي.

انتعاش مائي بعد عام الجفاف

في المقابل، يقدم ملف المياه صورة مختلفة تماماً، إذ أعلنت وزارة الموارد المائية العراقية أن الخزين المائي في السدود والبحيرات وصل إلى مستويات وصفَتها بأنها "ممتازة" مقارنة بالعام الماضي.

وبحسب الوزارة، ارتفع الخزين المائي من نحو 5 مليارات متر مكعب في بداية الموسم السابق، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة منذ عقود، إلى أكثر من 34 مليار متر مكعب خلال عام 2026، نتيجة تحسن معدلات الأمطار وزيادة الإيرادات المائية.

وقال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال إن نسب الامتلاء في عدد من السدود الرئيسية، بينها سد الموصل ودوكان ودربندخان، تراوحت بين 70 و80 بالمئة، مع الإبقاء على مساحات خزنية احتياطية لاستيعاب أي واردات مائية مستقبلية.

وأضاف أن المؤشرات الحالية للإيرادات المائية تتراوح بين المتوسطة والجيدة، مبيناً أن العراق تمكن من تجاوز واحدة من أصعب سنوات الجفاف التي مرت عليه خلال العقود الأخيرة.

تحديات المياه مستمرة

ورغم التحسن الكبير في الخزين، تؤكد وزارة الموارد المائية أن ملف المياه ما يزال يواجه تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر، إضافة إلى التجاوزات على الحصص المائية والاستخدام غير الرشيد للمياه في القطاعات الزراعية والمنزلية.

ويعتمد العراق بشكل كبير على الموارد المائية القادمة من خارج حدوده، إذ تأتي غالبية الإيرادات المائية من دول الجوار، وفي مقدمتها تركيا وإيران وسوريا، الأمر الذي يجعل ملف إدارة المياه مرتبطاً بالتفاهمات الإقليمية.

وتعمل بغداد وأنقرة ضمن أطر تفاوضية ومشاريع مشتركة تتعلق بإدارة المياه وتطوير أنظمة الري، خصوصاً مشاريع الري الحديث وتقليل الهدر عبر التحول من القنوات المفتوحة إلى أنظمة النقل المغلقة.

الزراعة والأهوار في دائرة الاهتمام

وتسعى وزارة الموارد المائية إلى تحقيق توازن بين توفير مياه الشرب والاستخدامات المنزلية والصناعية، ودعم الخطة الزراعية، والحفاظ على الأنظمة البيئية، خصوصاً مناطق الأهوار وشط العرب التي تأثرت خلال سنوات الجفاف السابقة.

كما تعتمد الوزارة على تنظيم إطلاقات المياه عبر المركز الوطني لإدارة الموارد المائية، بما يضمن توزيع الحصص بين المحافظات وفق الاحتياجات والإمكانات المتاحة.

وتكشف أزمة صيف 2026 عن مفارقة واضحة في إدارة الموارد العراقية؛ فبينما يمتلك البلد مخزوناً مائياً أفضل من السنوات الماضية، ما تزال منظومة الكهرباء تواجه نقصاً حاداً يؤثر في حياة ملايين العراقيين.

ويرى خبراء أن معالجة أزمة الطاقة تتطلب حلولاً طويلة الأمد تتجاوز الإجراءات الموسمية، تشمل تطوير قطاع الغاز، تحديث شبكات النقل والتوزيع، الاستثمار في الطاقة الشمسية، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية.

وفي الوقت نفسه، يمثل التحسن المائي فرصة لإعادة تنظيم القطاع الزراعي وتطوير إدارة المياه، شرط أن ترافقه سياسات مستدامة تمنع عودة البلاد إلى دائرة الجفاف والأزمات السابقة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً