خلصت دراسة بحثية حديثة نشرتها مؤسسة بروكينجز إلى أن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في مسار الحروب التي يخوضها حلفاؤها تتراجع تدريجياً كلما طال أمد النزاعات، رغم ما تقدمه من دعم عسكري واستخباراتي وسياسي واسع، وهو ما يفسر صعوبة دفع الشركاء نحو إنهاء الحروب أو تعديل استراتيجياتهم العسكرية.
ورصدت الدراسة، التي استندت إلى مقابلات مع أكثر من 30 مسؤولاً أمريكياً سابقاً وحالياً، أن الحروب الحديثة أصبحت أكثر ميلاً إلى الاستمرار والدخول في مراحل من الجمود أو وقف إطلاق النار المؤقت، بدلاً من الوصول إلى نهايات حاسمة، وهو ما حدّ من فعالية النفوذ الأمريكي في إدارة تلك الصراعات.
وشملت الدراسة أربع حالات رئيسية هي الحرب في أوكرانيا، والحرب الإسرائيلية على غزة، والحملة العسكرية في اليمن، والحرب في أفغانستان، مع التركيز بصورة أساسية على أوكرانيا وغزة باعتبارهما الأكثر تعبيراً عن التحديات الراهنة التي تواجه السياسة الأمريكية.
وأوضحت، أن الولايات المتحدة وحلفاءها يبدأون عادة الحروب وهم يتشاركون هدف تحقيق نصر كامل، إلا أن استمرار العمليات العسكرية يدفع واشنطن تدريجياً إلى تفضيل تسويات سياسية تفاوضية لحماية مصالحها، بينما يواصل الحلفاء السعي لتحقيق أهدافهم العسكرية حتى مع ارتفاع الكلفة.
وأشارت الدراسة إلى أن أحد أبرز أسباب تراجع النفوذ الأمريكي يتمثل في غياب اتفاق واضح منذ بداية النزاع حول شكل التسوية النهائية أو الأهداف السياسية المرجوة بعد انتهاء الحرب، الأمر الذي يؤدي لاحقاً إلى خلافات متزايدة بين واشنطن وشركائها بشأن إدارة العمليات العسكرية وآفاق إنهائها.
وأضافت أن الدعم السياسي داخل الولايات المتحدة للحروب التي يخوضها الحلفاء يكون مرتفعاً في مراحلها الأولى، لكنه يتراجع مع مرور الوقت نتيجة تزايد النقاشات حول كلفة الحرب وأبعادها القانونية والأخلاقية، فضلاً عن اتساع الفجوة بين الرؤية الأمريكية ورؤية الشريك بشأن استمرار القتال.
وبيّنت الدراسة، أن محدودية السيطرة الأمريكية على القرارات العسكرية لحلفائها تجعل قدرتها على توجيه مسار الحرب أقل مما يُفترض، رغم اعتماد هؤلاء الحلفاء على المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية.
وفي ضوء هذه النتائج، أوصى الباحثون بضرورة أن تعمل الولايات المتحدة منذ المراحل الأولى لأي نزاع على التوصل إلى اتفاق واضح مع شركائها بشأن الأهداف السياسية والغاية النهائية للحرب، معتبرين أن النفوذ الأمريكي يكون في ذروته قبل تطور العمليات العسكرية وليس بعدها.
كما دعت الدراسة إلى توحيد الرسائل الصادرة عن مؤسسات الأمن القومي الأمريكية، محذرة من أن تضارب المواقف بين البيت الأبيض والوزارات والأجهزة المختلفة يمنح الحلفاء مساحة أوسع لتجاهل الضغوط الأمريكية أو استغلال التباينات داخل الإدارة.
وأكدت كذلك أهمية عدم الاكتفاء بالتنسيق مع الحلفاء، بل الانخراط في قنوات دبلوماسية مباشرة مع الخصوم، معتبرة أن الحوار مع الطرف المقابل يمثل عنصراً أساسياً لإنهاء النزاعات، حتى في الحالات التي لا تشارك فيها القوات الأمريكية بصورة مباشرة في القتال.
أضف تعليقاً