قد يبدو الطعام الصحي خياراً مثالياً للحفاظ على الجسم، لكن دراسات علمية متزايدة تلفت الانتباه إلى مصدر آخر قد يرافق وجباتنا اليومية دون أن نلاحظه: البلاستيك الذي يلامس الطعام أثناء الطبخ والتخزين والتسخين وحتى الشرب.
وتشير أبحاث إلى أن الأطعمة والمشروبات يمكن أن تتعرض لجسيمات بلاستيكية دقيقة ومواد كيميائية صناعية نتيجة ملامستها للأواني والعبوات البلاستيكية، فيما قد تدخل هذه المواد إلى جسم الإنسان عبر الغذاء.
وتشمل المواد المثيرة للقلق مركبات مثل الفثالات وBPA وPFAS، وهي مواد ارتبط التعرض لها في دراسات مختلفة بمشكلات صحية، بينها ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الخصوبة وأمراض التمثيل الغذائي وبعض أنواع السرطان.
ولا تقتصر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة على الطعام، فهي موجودة أيضاً في الماء والهواء والملابس وبعض المنتجات اليومية، لكن الطعام يمثل أحد الطرق المهمة التي يمكن أن تصل من خلالها هذه الجسيمات إلى الجسم.
وفي هذا السياق، أظهرت تجربة علمية منشورة في دورية "طبيعة الطب" Nature Medicine أن تقليل استهلاك المنتجات المعبأة، ومنها الأطعمة والمشروبات الموجودة في عبوات بلاستيكية والمعلبات وبعض منتجات العناية الشخصية، أدى إلى انخفاض كبير في مستويات المواد الكيميائية المرتبطة بالبلاستيك في البول خلال أسبوع واحد فقط.
ولا يعني ذلك أن الإنسان مطالب بالتخلي عن البلاستيك بالكامل، إذ يرى خبراء أن الأمر شبه مستحيل في الحياة اليومية، لكن تغيير بعض العادات داخل المطبخ يمكن أن يقلل التعرض له.
1. استبدال أدوات الطبخ البلاستيكية بالخشب والمعدن
أظهرت دراسة أجريت عام 2024 أن بعض أدوات الطبخ البلاستيكية، مثل الملاعق وألواح التقطيع، يمكن أن تطلق جسيمات بلاستيكية دقيقة إلى الطعام، خصوصاً عند تعرضها للحرارة أو الاحتكاك.
ولهذا يمكن استبدالها بأدوات مصنوعة من الخشب أو الخيزران، إلى جانب استخدام الأدوات المعدنية في الطبخ.
2. العودة إلى الحديد والفولاذ بدلاً من الأواني غير اللاصقة
الأواني والمقالي غير اللاصقة، ومنها تلك المطلية بمادة تفلون، قد تكون مصدراً لبعض المواد الكيميائية التي يمكن أن تنتقل إلى الطعام.
ومن البدائل المتاحة استخدام أواني الحديد الزهر أو الفولاذ المقاوم للصدأ، مع ضرورة التعامل الصحيح مع أواني الحديد لتجنب التصاق الطعام بها.
3. لا تسخّن الطعام داخل البلاستيك
هذه ربما تكون من أبسط الخطوات وأكثرها أهمية.
فقد وجدت دراسة أن حفظ المياه والصلصات والأطعمة السائلة داخل عبوات بلاستيكية لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى إطلاق أعداد كبيرة من الجسيمات البلاستيكية.
لكن المشكلة تصبح أكبر عند تسخين الطعام أو الشراب داخل البلاستيك في الميكروويف، إذ سجلت الدراسات أعلى معدلات إطلاق الجسيمات البلاستيكية الدقيقة ومتناهية الصغر في هذه الحالة.
والبديل الأبسط هو استخدام أوعية زجاجية لحفظ الطعام وتسخينه وتبريده.
4. الخلاط البلاستيكي ليس بعيداً عن المشكلة
قد لا يخطر على البال أن الخلاط يمكن أن يكون مصدراً للجسيمات البلاستيكية.
لكن دراسة أجراها باحثون في جامعة نيوكاسل الأسترالية عام 2023 وجدت أن الخلاطات ذات الأكواب البلاستيكية يمكن أن تطلق جسيمات بلاستيكية دقيقة ومتناهية الصغر أثناء تشغيلها.
ويرتبط ذلك بالاحتكاك القوي الناتج عن الحركة السريعة للطعام داخل الوعاء.
لذلك يمكن استخدام خلاط بوعاء من الفولاذ المقاوم للصدأ أو الزجاج كبديل.
5. زجاجة الماء البلاستيكية اليومية قد تحمل مفاجأة
قد تبدو زجاجة المياه البلاستيكية أمراً عادياً، لكن دراسة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا عام 2024 وجدت أن لتر المياه المعبأة في ثلاث علامات تجارية شائعة احتوى في المتوسط على نحو 240 ألف جسيم بلاستيكي صغير.
ورصد الباحثون سبعة أنواع من الجسيمات البلاستيكية، من بينها مادة تستخدم على نطاق واسع في تصنيع عبوات المياه والمشروبات.
ولهذا، إذا كان الشخص يحصل على مياه آمنة من الصنبور أو من مصدر مفلتر، فإن استخدام عبوة قابلة لإعادة الاستخدام مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ يمكن أن يقلل الاعتماد على العبوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.
وحتى عند شراء القهوة أو الشاي الساخن، يمكن استخدام كوب معدني شخصي، إذ إن بعض الأكواب الورقية تحتوي من الداخل على طبقة بلاستيكية رقيقة لمنع تسرب السوائل، وقد وجدت دراسات أن الجسيمات البلاستيكية يمكن أن تنتقل منها إلى المشروبات الساخنة.
6. البقوليات المجففة بدلاً من المعلبة
ليست العبوات البلاستيكية وحدها موضع الاهتمام؛ فالكثير من علب الأغذية والمشروبات المعدنية تكون مبطنة من الداخل بطبقة رقيقة من البلاستيك لحمايتها من التآكل.
وتشير الدراسات إلى إمكانية انتقال بعض المواد الكيميائية من هذه الطبقات إلى الطعام والشراب.
ومن الخيارات البسيطة شراء الفاصوليا والحمص والبقوليات الأخرى مجففة، ثم نقعها وطهيها في المنزل وحفظها في أوعية زجاجية.
هل يجب أن نتخلص من البلاستيك بالكامل؟
لا.
فالخبراء لا يدعون إلى التخلص الكامل من جميع المنتجات البلاستيكية، لأن ذلك قد يكون صعباً وغير عملي، وإنما ينصحون بالتركيز على الأماكن التي يمكن التحكم بها بسهولة.
فبدلاً من تغيير نمط الحياة بالكامل، يمكن البدء بخطوات صغيرة: عدم تسخين الطعام في البلاستيك، استخدام الزجاج للتخزين، تقليل العبوات البلاستيكية أحادية الاستخدام، استبدال بعض أدوات الطبخ البلاستيكية، وتقليل الاعتماد على الأطعمة المعلبة عندما تتوافر بدائل بسيطة.
وتشير هذه الإجراءات إلى فكرة أساسية: قد لا نستطيع تجنب البلاستيك في حياتنا اليومية، لكن يمكننا تقليل وجوده في المكان الذي يهم أكثر: حيث يلامس طعامنا وشرابنا.
أضف تعليقاً