لم تعد النفايات النووية في الولايات المتحدة القضية السياسية التي كانت تثير الرفض والقلق في السابق. فبدلاً من التنافس على تجنب استضافتها، بدأت ولايات أمريكية تتسابق للحصول على منشآت مرتبطة بها، في تحول يعكس عودة الطاقة النووية إلى واجهة الحسابات الصناعية والاستثمارية في البلاد.
وتتنافس خمس ولايات حالياً على استضافة ما تسميه وزارة الطاقة الأمريكية "مجمعات الابتكار"، وهي أيداهو ولويزيانا وأوكلاهوما وتينيسي ويوتا، بعدما أبدت أكثر من 20 ولاية اهتمامها بالمشروع.
وتأتي الخطوة في إطار أمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترامب العام الماضي، بهدف إنشاء منشآت تدعم مراحل مختلفة من دورة الوقود النووي، من تصنيع اليورانيوم وتخصيبه، وصولاً إلى إعادة معالجة الوقود المستهلك والتعامل مع النفايات النووية.
ويكشف هذا العدد من الولايات الراغبة في استضافة المشروع عن تغير واضح في المعادلة السياسية. فقد كانت منشآت النفايات النووية، لعقود، من أكثر الملفات إثارة للمقاومة المحلية في الولايات المتحدة، فيما تعثرت محاولات الحكومة الفيدرالية لإنشاء مستودع دائم للنفايات.
وكان الكونغرس قد اختار جبل يوكا في ولاية نيفادا عام 2002 ليكون موقعاً للتخزين، لكن المشروع واجه معارضة واسعة وانتهى بإلغائه عام 2009 خلال إدارة الرئيس باراك أوباما.
غير أن المشروع الجديد لا يقوم على فكرة إنشاء موقع ضخم لتجميع النفايات فحسب. فالمجمعات المقترحة تهدف بصورة أساسية إلى بناء سلسلة إمداد أمريكية أكثر استقراراً للوقود النووي، في وقت تستعد فيه البلاد لزيادة الاعتماد على الطاقة النووية.
وتشير واشنطن بوست في تقرير لها ترجمته "النبأ" إلى أن الولايات المتحدة كانت في وقت سابق قوة رئيسية في إنتاج اليورانيوم المخصب، قبل أن تتراجع الصناعة المحلية مع توسع الاعتماد على الوقود المستورد.
وتسعى واشنطن الآن إلى إعادة بناء هذه القدرات من خلال إنشاء محطات تخصيب جديدة، في ظل توقعات بارتفاع الطلب على الطاقة النووية، ولا سيما بعد قرار الكونغرس حظر واردات اليورانيوم من روسيا عام 2024.
ولا يتعلق الأمر فقط بإعادة إنتاج الوقود التقليدي، إذ يتضمن المشروع تطوير أنواع متخصصة من الوقود يمكن استخدامها في المفاعلات النووية المتقدمة والصغيرة، وهي تقنيات جذبت استثمارات كبيرة من شركات التكنولوجيا.
ومن بين الشركات التي دخلت هذا المجال "أمازون"، في وقت يتزايد فيه اهتمام قطاع التكنولوجيا بالطاقة النووية بوصفها مصدراً يمكن أن يدعم احتياجاته المتنامية من الطاقة.
لكن الرهان الأمريكي يتجاوز إنتاج اليورانيوم وتخصيبه. فهناك طموح آخر يتمثل في تطوير صناعة قادرة على إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك وإعادته إلى دورة الإنتاج بدلاً من التخلص منه.
الفكرة ليست جديدة. فقد اعتمدت فرنسا إعادة معالجة الوقود النووي لسنوات طويلة، لكن التجربة لم تثبت حتى الآن جدوى تجارية حاسمة، إذ تتطلب العملية كميات كبيرة من الطاقة وتنتج في الوقت نفسه نفايات مشعة جديدة تحتاج إلى معالجة وتخزين.
ومع ذلك، تراهن شركات ناشئة في قطاع الطاقة النووية، بينها "كوريو" و"أوكلو"، على إمكانية تغيير هذه المعادلة وإثبات أن التقنيات الجديدة قادرة على تجاوز الشكوك المحيطة بإعادة معالجة الوقود.
ولا يوجد ما يضمن نجاح هذا الرهان. لكن التحول اللافت يكمن في أن النقاش الأمريكي حول الطاقة النووية لم يعد يدور حصراً حول المخاطر السياسية والبيئية، بل بدأ يتحرك باتجاه اعتبارات السوق والاستثمار وسلاسل الإمداد.
وهنا تكمن المفارقة التي تبرزها واشنطن بوست من خلال تقرير ترجمته "وكالة النبأ الخبرية": الولايات التي كانت قد تنظر إلى النفايات النووية باعتبارها عبئاً سياسياً، أصبحت ترى في المنشآت المرتبطة بها فرصة للمشاركة في صناعة تتطلع واشنطن إلى إحيائها.
ومع تزايد الرهانات على الطاقة النووية ضمن مستقبل الطاقة النظيفة، يبدو أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة من السباق النووي، فيما تتنافس الولايات الخمس على موقع متقدم في هذه النهضة، ليس بوصفها مستودعات للنفايات فحسب، بل كمراكز محتملة لسلسلة صناعة نووية أمريكية متكاملة.
أضف تعليقاً