يفرض صيف الحرائق الذي اجتاح مناطق واسعة من أوروبا وشمال أفريقيا واقعاً مناخياً جديداً يدفع الحكومات إلى إعادة النظر في سياساتها، مع تصاعد الدعوات لجعل التكيف مع تغير المناخ جزءاً أساسياً من التخطيط الاقتصادي والأمني، وليس مجرد ملف بيئي منفصل.
وكالة النبأ تابعت هذا الملف، اذ شهدت الأشهر الماضية موجات حر قياسية تسببت في تعطيل قطاعات حيوية، وإغلاق مدارس، واندلاع حرائق واسعة في عدد من الدول الأوروبية، فيما أعلنت إسبانيا حالة طوارئ في منطقة مدريد، وطلبت فرنسا دعماً من آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي لمواجهة أسوأ حرائق تشهدها منذ عقدين، وفقاً لمركز تشاتام هاوس.
ولم تقتصر التداعيات على أوروبا، إذ امتدت موجات الحرارة والجفاف إلى أجزاء من شمال أفريقيا، ما عزز المخاوف من تزايد الظواهر المناخية المتطرفة وتأثيراتها على السكان والاقتصادات.
ويرى خبراء في مركز "تشاتام هاوس" البريطاني، أن هذه الأحداث تكشف فجوة متزايدة في السياسات المناخية العالمية، إذ تركز الحكومات بشكل رئيسي على خفض الانبعاثات، في حين لا تزال جهود التكيف مع الآثار المناخية التي باتت واقعة بالفعل تسير بوتيرة أبطأ.
وقال خبراء المركز إن صيف الحرائق الحالي يجب أن يكون نقطة تحول تدفع التكيف المناخي من هامش السياسات البيئية إلى قلب القرارات الاقتصادية والخطط الحكومية.
مرحلة جديدة من أزمة المناخ
تشير التقديرات العلمية إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى زيادة أعداد الأشخاص المعرضين لموجات الحر الشديدة خلال العقود المقبلة، حتى في حال تسارعت جهود تقليل الانبعاثات الكربونية.
ويؤكد الباحثون، أن تغير أنماط الأمطار، وتزايد فترات الجفاف، وانتشار حرائق الغابات، أصبحت عوامل تؤثر بصورة مباشرة على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد العالمية.
كما بات نقص المياه تحدياً متزايداً في العديد من الدول، ومنها بريطانيا، حيث تشير تقديرات إلى احتمال انخفاض تدفقات الأنهار في إنجلترا بنسب كبيرة مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وتظهر تقييمات المخاطر المناخية البريطانية وجود علاقة مباشرة بين الجفاف وارتفاع احتمالات اندلاع الحرائق، فيما تشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن الاحترار العالمي يزيد من تواتر الظروف الجوية الملائمة لانتشار النيران في مناطق عدة حول العالم.
وبحسب الخبراء، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الاقتصادات ستتأثر بتغير المناخ، بل مدى سرعة قدرة الحكومات على التكيف مع هذه التحولات.
التكيف المناخي كسياسة اقتصادية
يدعو خبراء المناخ الحكومة البريطانية الجديدة إلى التعامل مع التكيف المناخي باعتباره جزءاً من السياسة الاقتصادية، وليس قضية بيئية محدودة.
ويشمل ذلك تطوير أنظمة الحماية من الفيضانات، وتعزيز جاهزية خدمات الطوارئ، وحماية النظم البيئية، إلى جانب إدارة أفضل للأراضي للحد من مخاطر الجفاف والحرائق.
ومن بين الإجراءات المقترحة إعادة تأهيل أراضي الخث للحفاظ على الرطوبة وتقليل قابلية التربة للجفاف والاحتراق، وتحسين إدارة الغطاء النباتي في المناطق المعرضة للخطر، وتعزيز التنسيق بين ملاك الأراضي وفرق الإطفاء والسلطات المحلية.
كما تواجه المدن تحديات متزايدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة فيها مقارنة بالمناطق الريفية، ما يتطلب زيادة المساحات الخضراء، وتوسيع الغطاء النباتي، واعتماد تصاميم عمرانية أكثر قدرة على مقاومة الحرارة.
ويرى الخبراء، أن التحدي لا يكمن في معرفة الحلول، بل في دمجها منذ البداية ضمن قرارات النقل والطاقة والإسكان والبنية التحتية، بدلاً من التعامل معها كإجراءات لاحقة بعد وقوع الأزمات.
ويحذرون من أن تكلفة عدم التحرك قد تكون أكبر بكثير من تكلفة الاستثمار في التكيف، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على الطاقة وتزايد مخاطر تعطل قطاعات حيوية مثل النقل والاتصالات والتجارة.
كما قد تصبح بعض المناطق أقل جاذبية لشركات التأمين بسبب تصاعد المخاطر المناخية، ما يدفع المؤسسات المالية إلى إعادة تقييم استثماراتها وقروضها وسياساتها التأمينية.
من الداخل إلى الدور العالمي
لا تقتصر تداعيات التغير المناخي على الحدود الوطنية، إذ يرى خبراء أن بناء عالم أكثر قدرة على مواجهة المناخ المتغير يسهم في تحقيق استقرار عالمي أكبر.
وتشير التجارب في دول مثل هولندا واليابان إلى إمكانية دمج سياسات التكيف المناخي ضمن التخطيط الاقتصادي والأمن القومي، فيما بدأ الاتحاد الأوروبي بدوره خطوات مشابهة.
ويحث الخبراء بريطانيا على تعزيز دورها الدولي في هذا المجال، خصوصاً مع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ "كوب 31"، من خلال دعم تمويل مشاريع التكيف في الدول الأكثر تأثراً بتغير المناخ.
كما يدعون لندن إلى جعل أمن المياه محوراً أساسياً في علاقاتها الدولية، عبر تعزيز التعاون بشأن إدارة الموارد المائية وربطها بالتجارة والاستثمار والتكنولوجيا.
ويشددون كذلك على أهمية حماية النظم البيئية وإعادة التشجير، باعتبارها أدوات لتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ ودعم الصحة العامة والنمو الاقتصادي.
الانتقال من خفض الانبعاثات إلى بناء الصمود
ورغم أن خفض الانبعاثات يبقى هدفاً رئيسياً في مواجهة تغير المناخ، فإن خبراء المناخ يرون أن العقد المقبل سيُقاس أيضاً بقدرة الحكومات على التكيف مع عالم أكثر حرارة.
ويقول التقرير، إن صيف الحرائق في أوروبا يمثل إنذاراً واضحاً بضرورة نقل التكيف المناخي من الهامش إلى مركز القرار الحكومي، باعتباره قضية ترتبط بالاقتصاد والأمن القومي والسياسة الخارجية في آن واحد.
فالتخطيط للتعايش مع آثار تغير المناخ لم يعد مجرد سياسة بيئية، بل أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية الدول لحماية مجتمعاتها واقتصاداتها في المستقبل.
م.ال
أضف تعليقاً