بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

اليمين يتقدم وإسرائيل تقترب.. إلى أين تتجه بوصلـة أمريكا اللاتينية؟

لم تعد التحولات السياسية في أمريكا اللاتينية شأناً داخلياً صرفاً، فصعود قوى اليمين والشعبوية في عدد من دول المنطقة بدأ يترك بصماته على السياسة الخارجية، وعلى طبيعة الشراكات التي تبنيها الحكومات الجديدة بما في ذلك علاقتها بإسرائيل. المفارقة اللافتة أن هذا التحول السياسي يجري بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الشعبية في أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية للحرب الإسرائيلية على غزة، وتنامي التعاطف مع القضية الفلسطينية. وبينما تتجه قطاعات من الرأي العام نحو مواقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل، تبدو حكومات يمينية مستعدة لتوسيع التعاون معها في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات. ومن هنا لا تبدو المسألة مجرد تحول في الموقف من إسرائيل، وإنما جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للتحالفات السياسية والأمنية في أمريكا اللاتينية.

 اليمين يغيّر قواعد اللعبة

 شهدت أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة انتقالاً سياسياً متذبذباً بين اليسار واليمين. وبعد مرحلة شهدت فيها المنطقة صعود حكومات يسارية تبنت مواقف أكثر قرباً من القضية الفلسطينية وأكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، بدأت قوى يمينية وشعبوية باستعادة حضورها السياسي. هذا التحول لم يبقَ محصوراً في السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وإنما امتد إلى السياسة الخارجية. فالحكومات الجديدة تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية مختلفة نسبياً؛ إذ تضع ملفات الأمن، مكافحة الجريمة المنظمة، التكنولوجيا، مراقبة الحدود والتعاون الاستخباراتي في مقدمة أولوياتها. وهنا تجد إسرائيل مساحة مناسبة لتعزيز حضورها. فإسرائيل لا تقدم نفسها للعديد من الحكومات اللاتينية بوصفها شريكاً سياسياً فقط، وإنما بوصفها دولة تمتلك خبرات واسعة في قطاعات الأمن السيبراني، والمراقبة والأسلحة، والطائرات المسيّرة وحماية الحدود والتقنيات الاستخباراتية. وبذلك يصبح التعاون معها جزءاً من أدوات إدارة الدولة والأمن الداخلي وليس مجرد موقف أيديولوجي من الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي.

الأمن بوابة النفوذ الإسرائيلي

 ربما يكون قطاع الأمن هو المفتاح الأهم لفهم اتساع العلاقات الإسرائيلية مع عدد من دول أمريكا اللاتينية. فالمنطقة تواجه منذ سنوات تحديات مرتبطة بالجريمة المنظمة وشبكات المخدرات والعنف المسلح وضعف السيطرة على بعض الحدود، وهي ملفات تجعل التكنولوجيا الأمنية والاستخباراتية ذات قيمة كبيرة للحكومات. وفي هذا السياق اكتسبت الشركات الإسرائيلية المتخصصة في التكنولوجيا الأمنية والمراقبة حضوراً في أسواق المنطقة. لكن هذه الشراكة تحمل جانباً آخر أكثر حساسية. فالتقنيات التي تستخدم في مكافحة الجريمة يمكن أن تستخدم أيضاً في مراقبة الصحفيين والمعارضين والنشطاء، الأمر الذي جعل بعض الصفقات الأمنية الإسرائيلية موضع انتقاد من منظمات حقوقية ومؤسسات إعلامية. ومن هنا تتجاوز المسألة حدود التجارة العسكرية والتكنولوجية، لتطرح سؤالاً يتعلق بكيفية استخدام الدولة لأدوات المراقبة الحديثة ومن يملك الرقابة على استخدامها.

 غزة عمّقت الانقسام ولم تنهه

 كان من المفترض أن تؤدي الحرب في غزة إلى زيادة المسافة بين إسرائيل والعديد من حكومات وشعوب أمريكا اللاتينية. وقد حدث ذلك بالفعل في عدد من الحالات مع اتخاذ حكومات لاتينية مواقف سياسية ودبلوماسية حادة تجاه إسرائيل، وقطع بعض الدول علاقاتها أو خفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي. لكن المفارقة أن الحرب نفسها جاءت في لحظة سياسية تشهد صعود قوى يمينية أكثر استعداداً للحفاظ على علاقات وثيقة مع إسرائيل. وهكذا أصبحت غزة عاملاً كاشفاً للانقسام السياسي داخل المنطقة، أكثر من كونها عاملاً قادراً وحده على تحديد اتجاهها. فاليسار ينظر إلى الحرب من زاوية القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، فيما يتعامل جزء من اليمين معها ضمن منظومة أوسع تشمل الأمن ومكافحة الإرهاب والتحالف مع الولايات المتحدة. وهذه الاختلافات لا تعكس فقط تبايناً في السياسة الخارجية، وإنما تكشف عن صراع أعمق حول هوية الدولة وموقعها في النظام الدولي.

واشنطن حاضرة في المشهد

 يصعب تحليل التحولات الجديدة من دون التوقف عند الولايات المتحدة. فواشنطن تمتلك تاريخياً نفوذاً واسعاً في أمريكا اللاتينية فيما تمثل إسرائيل أحد أهم حلفائها الاستراتيجيين على المستوى الدولي. وبالتالي فإن صعود حكومات يمينية أكثر قرباً من الولايات المتحدة يخلق بيئة سياسية أكثر ملاءمة لتوسيع التعاون الإسرائيلي. لكن تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد نتيجة للنفوذ الأمريكي سيكون غير كافٍ. فالحكومات اللاتينية تمتلك حساباتها الخاصة أيضاً. بعضها يبحث عن التكنولوجيا والاستثمار والخبرة الأمنية وبعضها يرى في التقارب مع إسرائيل وسيلة لتعزيز علاقاته بواشنطن، فيما يحاول آخرون استخدام هذه العلاقات لتحقيق مكاسب تفاوضية في ملفات داخلية وخارجية. لذلك فإن العلاقة بين واشنطن وإسرائيل وحكومات المنطقة تبدو أقرب إلى تقاطع مصالح متعددة منها إلى منظومة أوامر مباشرة.

 المفارقة السياسية الشارع في اتجاه والحكومات في اتجاه آخر

 أخطر ما في التحول الحالي أنه قد ينتج فجوة متزايدة بين المزاج الشعبي والسياسات الرسمية، ففي الوقت الذي تتزايد فيه مظاهر التضامن مع الفلسطينيين في العديد من المجتمعات اللاتينية، تعمل بعض الحكومات على توسيع العلاقات مع إسرائيل. وهذه الفجوة قد لا تكون مؤثرة في المدى القصير لكنها يمكن أن تتحول إلى قضية انتخابية مع تغير الحكومات. فالعلاقات الخارجية لا تبقى معزولة عن السياسة الداخلية إلى الأبد، خصوصاً عندما ترتبط بملفات حساسة مثل الأسلحة والتجسس والمراقبة والأمن الداخلي. ولهذا فإن مستقبل العلاقات الإسرائيلية - اللاتينية قد يتحدد في نهاية المطاف ليس فقط داخل وزارات الخارجية وإنما داخل صناديق الاقتراع أيضاً.

 البرازيل الاختبار الأكبر

 في هذا السياق تكتسب البرازيل أهمية استثنائية فهي القوة السياسية والاقتصادية الأكبر تقريباً في أمريكا اللاتينية، وأي تحول في سياستها الخارجية ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها. ويمثل التنافس السياسي داخل البرازيل اختباراً لاتجاه المنطقة هل يستمر اليمين في توسيع حضوره، وما يعنيه ذلك من تقارب محتمل مع إسرائيل والولايات المتحدة؟ أم تحافظ القوى اليسارية على مقاربة أكثر استقلالاً في السياسة الخارجية وأكثر انتقاداً لإسرائيل؟ ولا تقتصر أهمية المسألة على الموقف من غزة. فالبرازيل تحاول منذ سنوات تعزيز هامش استقلالها في النظام الدولي وتوسيع علاقاتها مع القوى الصاعدة، ولا سيما الصين ودول الجنوب العالمي. لذلك فإن أي تحول جذري في توجهها الخارجي سيكون جزءاً من معركة أكبر على موقع أمريكا اللاتينية داخل النظام الدولي المتغير.

 إسرائيل لا تحتاج إلى كسب الشارع بالكامل

من الخطأ قياس النفوذ الإسرائيلي في أمريكا اللاتينية فقط من خلال شعبية إسرائيل لدى الرأي العام، فالنفوذ السياسي لا يعمل دائماً بالطريقة نفسها التي تعمل بها الشعبية، يمكن لدولة ما أن تواجه صورة سلبية لدى قطاعات واسعة من الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تمتلك علاقات مؤسسية قوية مع الحكومات والأجهزة الأمنية والشركات والقطاعات التكنولوجية وهذا تحديداً ما يجعل قطاع الأمن والتكنولوجيا مهماً في الحالة الإسرائيلية. فكل اتفاق أمني وكل صفقة تكنولوجية وكل برنامج تدريب أو تعاون استخباراتي يمكن أن يبني شبكة مصالح طويلة الأمد تستمر أحياناً حتى بعد تغير الحكومات.

ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت أمريكا اللاتينية أصبحت "مؤيدة لإسرائيل"، وإنما إلى أي مدى أصبح الحضور الإسرائيلي جزءاً من البنية المؤسسية والأمنية لبعض دول المنطقة؟

نفوذ متصاعد لا سيطرة كاملة

 رغم ذلك فإن الحديث عن سيطرة إسرائيلية على أمريكا اللاتينية سيكون مبالغاً فيه فالمنطقة ليست كتلة سياسية واحدة، ولا تتبنى جميع حكوماتها الاتجاه نفسه. كما أن النفوذ الإسرائيلي يواجه منافسة من الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى أخرى، فضلاً عن وجود تيارات سياسية وشعبية قوية ترفض توسيع العلاقات مع إسرائيل. الأدق هو القول إن إسرائيل تستفيد من نافذة سياسية جديدة فتحها صعود اليمين، وتحاول تحويلها إلى نفوذ طويل الأمد عبر الأمن والتكنولوجيا والدفاع والدبلوماسية. لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على قدرتها على تجاوز حدود التحولات الانتخابية المؤقتة.

 المعركة الحقيقية على اتجاه المنطقة

 في النهاية تبدو التحولات في علاقة أمريكا اللاتينية بإسرائيل جزءاً من قصة أكبر إنها قصة منطقة تبحث عن موقعها في عالم متعدد الأقطاب، بينما تتنافس الولايات المتحدة والصين والقوى الدولية الأخرى على النفوذ فيها، وتعيد الحكومات تعريف أولوياتها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. وفي قلب هذه المنافسة أصبحت إسرائيل لاعباً أكثر حضوراً مما كانت عليه في السابق، مستفيدة من خبرتها الأمنية والتكنولوجية ومن علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن. لكن ذلك لا يعني أن المنطقة حسمت خياراتها فالمشهد لا يزال مفتوحاً بين حكومات تتجه نحو مزيد من التعاون مع إسرائيل، وشعوب أصبحت أكثر حساسية تجاه الحرب في غزة، وقوى سياسية يسارية تحاول الحفاظ على تقليد دبلوماسي أكثر استقلالاً. وبين هذه الاتجاهات ستحدد الانتخابات المقبلة، وعلى رأسها الاستحقاقات الكبرى في البرازيل ما إذا كان التقارب مع إسرائيل مجرد انعكاس لدورة صعود اليمين، أم أنه يتحول تدريجياً إلى اتجاه استراتيجي طويل الأمد في السياسة الخارجية لأمريكا اللاتينية.

 المصدر: Middle East Eye – الكاتب جوزيف بوشار.


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً