تواجه أسواق الغذاء العالمية ضغوطاً متزايدة
بفعل تداخل عوامل المناخ والحروب واضطرابات سلاسل الإمداد، في وقت تتجه فيه
المخاوف نحو ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي وتراجع المحاصيل في عدد من المناطق، بما
قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية والأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.
وتأتي هذه المخاطر في وقت سجلت فيه أسعار
الغذاء العالمية بالفعل مستويات مرتفعة، مع تعرض مناطق زراعية رئيسية لموجات حر
وجفاف وأمطار غير منتظمة، بينما تزيد التوترات الجيوسياسية واضطرابات النقل
والطاقة من كلفة وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الظروف المناخية
المتطرفة قد تدفع نحو مزيد من الضغوط على إنتاج الحبوب والمحاصيل التجارية، خصوصاً
في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية، ما يهدد بتراجع المعروض
المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
ارتفاع المخاطر على الأسعار
ويبرز القطاع الزراعي بوصفه أحد أكثر القطاعات
تعرضاً للصدمات المناخية، إذ يمكن للجفاف وارتفاع درجات الحرارة أو الفيضانات أن
تقلص الإنتاج في موسم واحد، قبل أن تنتقل آثار ذلك إلى أسواق النقل والتخزين
والتجارة الدولية.
وتزداد حساسية الأسواق عندما تصيب الصدمات
المناخية دولاً تعد من كبار المنتجين أو المصدرين للسلع الأساسية، مثل القمح
والأرز والذرة والسكر والقهوة والكاكاو وزيوت الطعام. وفي هذه الحالة لا تقتصر
الخسائر على المزارعين، بل تمتد إلى المستهلكين وشركات الصناعات الغذائية وسلاسل
التجزئة.
وتظهر بيانات حديثة أن أسعار عدد من السلع
الزراعية الأساسية بدأت تتأثر بتوقعات تراجع الإنتاج، فيما يراقب المستثمرون
تطورات الطقس ومخزونات الحبوب وحركة التجارة العالمية بحثاً عن مؤشرات إلى اتجاه
الأسعار في المرحلة المقبلة.
الأمن الغذائي أمام اختبار جديد
ولا تقتصر التداعيات الاقتصادية على ارتفاع
الأسعار، إذ يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن الصدمات المناخية قد تدفع ملايين
الأشخاص الذين يعيشون أصلاً في أوضاع هشة إلى مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي.
وتشير أحدث تقديرات البرنامج إلى أن عدد
الأشخاص الذين يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي في 45 دولة معرضة للمخاطر
قد يرتفع من نحو 225 مليوناً إلى 274 مليون شخص، أي بزيادة تقارب 22 بالمئة، إذا
تفاقمت الظروف المناخية المتوقعة.
ويعني ذلك أن التأثير الاقتصادي للصدمات
المناخية قد يتحول إلى حلقة متشابكة تبدأ من تراجع الإنتاج الزراعي، ثم ارتفاع
الأسعار، وزيادة فاتورة الاستيراد، وصولاً إلى ارتفاع كلفة المعيشة وتفاقم الضغوط
على الموازنات الحكومية، ولا سيما في الدول منخفضة الدخل.
الدول الفقيرة الأكثر تعرضاً للخسائر
وتبدو المخاطر أكبر في الاقتصادات التي تعتمد
على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والتشغيل، أو التي تعاني أصلاً من الفقر والصراعات
وضعف البنية التحتية.
ويُتوقع أن تكون أمريكا الوسطى وأجزاء من
أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وجنوب وشرق أفريقيا من بين المناطق الأكثر
تعرضاً للضغوط، إلى جانب أجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا، حيث يمكن أن تؤدي اضطرابات
الأمطار وارتفاع درجات الحرارة إلى التأثير في مواسم الزراعة والحصاد.
وفي المقابل، تتمتع بعض الاقتصادات الكبرى
بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات بفضل ارتفاع المخزونات وتحسن الإنتاجية الزراعية
وتطور تقنيات الري واستخدام أصناف أكثر مقاومة للجفاف، وهي عوامل يمكن أن تحد من
اتساع تأثيرات أي نقص مؤقت في الإنتاج العالمي.
الاستعداد المبكر يقلل الكلفة
وتدفع هذه المخاطر المؤسسات الدولية والحكومات
إلى التحول من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى اتخاذ إجراءات استباقية، تشمل دعم
المزارعين، وتوفير البذور المقاومة للجفاف والفيضانات، وتحسين أنظمة الإنذار
المبكر، وتوسيع برامج التحويلات النقدية والتأمين ضد الكوارث.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي، بالتعاون مع
منظمة الأغذية والزراعة، خططاً لحماية ملايين الأشخاص في البلدان الأكثر عرضة
للصدمات المناخية، مع التركيز على حماية سبل العيش والإنتاج الزراعي قبل تفاقم
الأضرار.
لكن قدرة الأسواق العالمية على احتواء هذه
الصدمات ستعتمد في النهاية على حجم الأضرار الفعلية للمحاصيل، ومستويات المخزونات،
واتجاه أسعار الطاقة والأسمدة، فضلاً عن استمرار حركة التجارة الدولية دون قيود
إضافية.
ومع تزامن المخاطر المناخية مع التوترات
الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، يبدو أن الاقتصاد العالمي يواجه مرحلة يصبح
فيها الطقس عاملاً مؤثراً في الأسعار والتضخم والأمن الغذائي، وليس مجرد متغير
موسمي في حسابات الأسواق.
اقتصاد
اضطرابات المناخ تضغط على أسواق الغذاء وتهدد بزيادة كلفة المعيشة عالمياً
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً