عاد مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي إلى دائرة النقاش الرسمي بعد سنوات من طرحه وتأجيله، وسط ضغوط متزايدة على المالية العامة وتراجع الإيرادات النفطية، فيما يقول مسؤولون إن المناقشات داخل البنك المركزي باتت أكثر جدية، من دون اتخاذ قرار نهائي أو إحالة مشروع قانون إلى البرلمان.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذا ناشونال"، وترجمته وكالة النبأ، قال عضو اللجنة المالية النيابية أحمد رشيد إن مشروع حذف الأصفار يجري تداوله حالياً في البنك المركزي العراقي، لكنه لا يزال في مرحلة النقاش ولم يصل إلى مجلس النواب.
وقال رشيد إن المناقشات لم ترتقِ بعد إلى مستوى مقترح قانون ولم يُقدم أي مشروع إلى البرلمان أو يخضع لقراءة أولى، لكنه وصف المحادثات الجارية بأنها "جدية"، مشيراً إلى وجود مبررات اقتصادية لإعادة طرح المشروع في الوقت الراهن.
ويعيد ذلك إلى الواجهة ملفاً ناقشته الحكومات العراقية على مدى أكثر من عقدين، إذ تعود البدايات الأولى لفكرة إعادة هيكلة العملة إلى عام 2003، قبل أن تظهر في مناسبات متعددة من دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وتأتي المناقشات هذه المرة في ظل ضغوط على الموازنة العراقية مرتبطة بتراجع صادرات النفط عبر مضيق هرمز.
وبحسب التقرير، كانت صادرات العراق تبلغ نحو 3.4 ملايين برميل يومياً قبل اندلاع الحرب في 28 شباط، قبل أن تتراجع بشدة، ثم ترتفع منذ مطلع أغسطس إلى متوسط يقارب مليوني برميل يومياً، وفق وزير النفط باسم خضير.
وانعكس تراجع الصادرات على الإيرادات النفطية التي تشكل ما لا يقل عن 90 بالمئة من إيرادات الموازنة الاتحادية، إذ انخفضت، بحسب التقرير، من 6.8 مليارات دولار في فبراير إلى نحو 2.3 مليار دولار في كل من مايو ويونيو، بينما تبلغ نفقات الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية نحو 6.5 مليارات دولار شهرياً.
لكن الضغوط المالية ليست الدافع الوحيد وراء إعادة طرح المشروع، إذ يقول مسؤولون إن أحد أهدافه الرئيسية يتمثل في معالجة الكميات الكبيرة من النقد الموجودة خارج النظام المصرفي.
وقال رشيد إن حذف الأصفار يستهدف "إعادة قيمة العملة إلى مكانها الطبيعي"، إلى جانب استقطاب الأموال الموجودة خارج المصارف، معتبراً أن تخزين كميات ضخمة من الأوراق النقدية داخل المنازل يجعلها أموالاً معطلة لا تسهم في النشاط الاقتصادي.
وقدر رشيد حجم النقد الموجود خارج سيطرة السلطات النقدية بنحو 70 تريليون دينار من إجمالي 125 تريليون دينار متداول، لكنه شدد على عدم تحديد جدول زمني لتنفيذ المشروع حتى الآن.
وفي المقابل، ذهب وزير الاتصالات مصطفى سند إلى أبعد من ذلك، قائلاً في مقابلة تلفزيونية السبت إن قرار حذف الأصفار وتغيير العملة "اتُخذ"، وربط الخطوة بالأزمة الاقتصادية وحملة مكافحة الفساد.
ويرى سند أن استبدال العملة سيجبر حائزي الأوراق القديمة على تقديمها واستبدالها، بما يشمل الأموال المكتنزة منذ سنوات خارج النظام المصرفي، وقد يساعد ذلك السلطات على كشف كميات من الأموال غير المعلنة.
وقدر الوزير حجم الأموال "المفقودة" أو غير المعلنة بنحو ثمانية تريليونات دينار، مشيراً إلى إمكانية بدء تنفيذ المشروع، على سبيل المثال، في عام 2027، على أن تستغرق عملية استبدال العملة ثلاث سنوات أو أكثر.
ورجح سند أن تُطبع الأوراق النقدية الجديدة خارج العراق، قائلاً إنه يعتقد أن بريطانيا قد تكون مكان الطباعة، لكن التقرير لم يشر إلى وجود قرار رسمي بهذا الشأن.
غير أن المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي نفى، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الاثنين، أن يكون مجلس الوزراء قد اتخذ قراراً بالمضي في المشروع، مؤكداً أن الملف يقع ضمن صلاحيات البنك المركزي العراقي ويتطلب إقراره من مجلس النواب.
ولم يصدر تعليق فوري من البنك المركزي، وفق الصحيفة.
وتبرز قضية الأموال المكتنزة باعتبارها إحدى المشكلات التي يسعى المشروع إلى التعامل معها، إذ لا يزال العراق يعتمد بصورة كبيرة على التعاملات النقدية، في ظل ضعف الثقة بالقطاع المصرفي نتيجة عقود من الحروب والعقوبات والأزمات والفضائح المصرفية.
ويحتفظ ملايين العراقيين بمدخراتهم في المنازل أو الخزائن بدلاً من إيداعها في المصارف، بينما قدّر البنك المركزي مراراً أن أكثر من نصف الدنانير المتداولة لا تدخل النظام المصرفي الرسمي.
ويرى مؤيدو المشروع أن إلزام المواطنين باستبدال الأوراق النقدية القديمة بالجديدة قد يعيد جزءاً من تلك الأموال إلى النظام المالي، ويمنح السلطات قدرة أكبر على مراقبة حركة السيولة ومكافحة السوق الموازية للدولار.
وليست فكرة حذف ثلاثة أصفار جديدة على السياسة النقدية العراقية، إذ طرح البنك المركزي المشروع عام 2011 بهدف تبسيط المعاملات والحسابات، لكنه أُرجئ لاحقاً في ظل الاضطرابات السياسية والحرب ضد تنظيم داعش وانخفاض أسعار النفط.
ويقول مؤيدو إعادة تقييم فئات العملة إن حذف الأصفار قد يسهل عمليات المحاسبة والدفع ويقلل الحاجة إلى التعامل بكميات كبيرة من الأوراق النقدية، بينما يحذر معارضون من كلفة العملية والارتباك الذي قد يصاحبها، فضلاً عن محدودية تأثيرها إذا لم تترافق مع إصلاحات تعالج الفساد وضعف القطاع المصرفي والاعتماد الواسع على الدولار.
وفي حال إقرار المشروع، فمن المرجح أن يتطلب الانتقال إلى العملة الجديدة فترة زمنية تتداول خلالها الفئات القديمة والجديدة بالتوازي قبل سحب الأوراق السابقة تدريجياً، على غرار تجارب إعادة تسمية العملات التي نفذتها دول أخرى.
وبين تصريحات تتحدث عن اتخاذ القرار وأخرى تؤكد أن المشروع لا يزال قيد الدراسة، يبقى حذف الأصفار حتى الآن مقترحاً قيد النقاش وليس قراراً نافذاً، فيما ستكون الخطوات الرسمية للبنك المركزي والبرلمان العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان المشروع الذي تأجل لسنوات سيتحول هذه المرة إلى تغيير فعلي في بنية الدينار العراقي.
الرأي والتحليل
حذف الأصفار يعود إلى الواجهة.. العراق يدرس إعادة هيكلة الدينار
الوسوم
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً