دعت الباحثة كاتي أوث إلى إعادة النظر في الطريقة التي تموّل بها الولايات المتحدة مشاريع الطاقة في الأسواق الناشئة، معتبرة أن النهج الأمريكي الحالي يركز بصورة مفرطة على المشاريع الخاصة في مراحلها النهائية، بينما تعاني العديد من الدول النامية من نقص المشاريع القابلة للتمويل أصلًا بحسب التقرير الذي نشره معهد بروكينغز وترجمته وكالة النبأ .
وقالت أوث نائبة المدير التنفيذي في مركز الطاقة من أجل النمو وباحثة غير مقيمة في برنامج كارنيغي لأفريقيا، إن هناك توافقًا نادرًا بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة بشأن أهمية دعم البنية التحتية للكهرباء في الخارج. إلا أنها أشارت إلى أن المبادرات الأمريكية المتعاقبة لم تحقق حتى الآن التحول المنشود في قطاع الطاقة في الاقتصادات النامية.
وتشير الورقة إلى أن عدد سكان أفريقيا جنوب الصحراء الذين لا يحصلون على الكهرباء ظل مرتفعًا إلى حد كبير منذ عام 2010، في حين لا تزال دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا تعتمد بدرجة كبيرة على الفحم في توليد الكهرباء.
وترى أوث أن المشكلة الرئيسية تكمن في تركيز مؤسسات التمويل الأمريكية على المرحلة الأخيرة من تطوير المشاريع، أي عندما تكون المشاريع قد قطعت شوطًا طويلًا في دراسات الجدوى والتراخيص والتعاقدات وأصبحت قريبة من الإغلاق المالي.
وبحسب الورقة، فإن هذا النموذج قد يكون مناسبًا للأسواق المتقدمة التي تمتلك عددًا كبيرًا من المشاريع الجاهزة للاستثمار، لكنه أقل فاعلية في الدول منخفضة الدخل، حيث تفشل نسبة كبيرة من مشاريع البنية التحتية قبل الوصول إلى مرحلة الإغلاق المالي.
نقص المشاريع الجاهزة
تؤكد الدراسة أن المشكلة في العديد من الأسواق الناشئة ليست نقص رأس المال فقط، وإنما نقص المشاريع القابلة للتمويل.
وتشير إلى أن أقل من 10% من مشاريع البنية التحتية في أفريقيا تصل إلى الإغلاق المالي، فيما تفشل نسبة كبيرة منها خلال مراحل دراسة الجدوى والتخطيط التجاري.
وترى أوث أن اعتماد الولايات المتحدة على تمويل المشاريع التي وصلت بالفعل إلى مراحل متقدمة يجعل الحكومة الأمريكية في موقع المتابع أكثر من موقع المبادر، إذ تضطر إلى انتظار المشاريع التي يقدمها المستثمرون والشركات الخاصة بدلًا من المشاركة في تشكيلها منذ مراحلها الأولى.
كما تحذر من أن هذا النهج قد يؤدي إلى منافسة بين مؤسسات التمويل التنموي العامة على عدد محدود من المشاريع الجاهزة، بدلًا من استخدام التمويل العام لتوسيع قاعدة المشاريع وجذب استثمارات خاصة جديدة.
سبعة مقترحات لتغيير السياسة الأمريكية
تقترح الورقة سبعة إجراءات رئيسية لإعادة بناء ما وصفته بـ"خط أنابيب" مستدام لمشاريع الطاقة في الأسواق الناشئة.
أول هذه المقترحات هو زيادة المخاطرة الاستراتيجية في المراحل المبكرة من خلال دعم المشاريع والشركات والتقنيات قبل مرحلة الجدوى، بدل انتظار وصولها إلى مراحل متقدمة.
وتقترح الورقة أن تقدم مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) هذا الدعم على شكل استثمارات وليس منحًا فقط، بما يسمح لها بالحصول على عوائد مستقبلية إذا نجحت المشاريع.
كما تدعو إلى إنشاء نافذة تمويل ميسرة داخل المؤسسة، تقدم تمويلًا بشروط أقل من شروط السوق للمشاريع ذات المخاطر المرتفعة والأثر التنموي والاستراتيجي الكبير.
أما المقترح الثالث فيتمثل في الاستعانة بشركاء خارجيين يمتلكون خبرات فنية واستثمارية متخصصة، بما يساعد على تسريع عملية تطوير المشاريع وتقليل العبء الإداري على المؤسسات الحكومية الأمريكية.
وتدعو الورقة كذلك إلى تقديم قروض للشركات القادرة على تطوير مجموعة من المشاريع المستقبلية، بدلًا من تمويل كل مشروع على حدة، الأمر الذي يمكن أن يساعد في إنشاء محفظة أكبر من المشاريع في وقت أقصر.
التركيز على شبكات الكهرباء
جانب رئيسي من المقترحات يتعلق بالبنية التحتية العامة، ولا سيما شبكات نقل وتوزيع الكهرباء والمرافق العامة.
وترى الدراسة أن التركيز الأمريكي على مشاريع القطاع الخاص يتجاهل حقيقة أن أكثر من 80% من البنية التحتية للطاقة في الأسواق النامية مملوكة للقطاع العام.
وبالتالي، فإن تحسين شبكات الكهرباء والمرافق الحكومية قد يكون شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات الخاصة في محطات التوليد والطاقة المتجددة والتقنيات الجديدة.
وتدعو الورقة مؤسسة تمويل التنمية الدولية إلى وضع سياسة تسمح لها بالاستثمار في بعض الشركات والأصول المملوكة للدولة أو شبه الحكومية، بما في ذلك البنية التحتية الكهربائية ومشاريع الطاقة الكهرومائية والطاقة النووية، عندما يكون ذلك قادرًا على فتح المجال أمام استثمارات خاصة لاحقة.
زيادة دور مؤسسة تحدي الألفية
تقترح أوث أيضًا مضاعفة محفظة الطاقة التابعة لمؤسسة تحدي الألفية (MCC)، مع إعطاء الأولوية لشبكات الكهرباء وتعزيز أداء المرافق.
وتستشهد الورقة باتفاقية الطاقة في السنغال، التي خصصت مئات الملايين من الدولارات لتحسين شبكة نقل الكهرباء، باعتبارها مثالًا على كيفية استخدام التمويل العام لتهيئة البنية التحتية اللازمة أمام استثمارات خاصة مستقبلية.
وترى الباحثة أن التركيز على الشبكات يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا في بعض الأسواق من تمويل مشاريع توليد الكهرباء بصورة منفردة.
إصلاح عمليات شراء الطاقة
وتدعو الورقة الولايات المتحدة إلى تقديم مساعدة فنية محددة للدول النامية لتطوير أنظمة شراء تنافسية وشفافة للطاقة، بما يسمح للشركات الأمريكية بالمنافسة على قدم المساواة مع الشركات الأجنبية.
كما تقترح تعزيز الشفافية في عقود شراء الطاقة بين الحكومات ومنتجي الطاقة المستقلين، بهدف تقليل المخاطر وتسريع المشاريع وخفض تكاليف الكهرباء.
وبحسب تقديرات نقلتها الورقة عن خبير في الطاقة وأمن البنية التحتية، فإن مساعدة ما بين 10 و12 دولة على تحديث أنظمة المشتريات يمكن أن تفتح أمام الشركات الأمريكية فرصًا للمنافسة على عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع البنية التحتية خلال السنوات المقبلة.
فرصة للولايات المتحدة
وتخلص الورقة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل معظم الأدوات القانونية والمؤسساتية اللازمة لتغيير نهجها في تمويل التنمية، وأن الأمر لا يتطلب بالضرورة إعادة هيكلة شاملة للوكالات الحكومية.
لكنها ترى أن المطلوب هو تغيير طريقة استخدام هذه الأدوات، خصوصًا من خلال التدخل في المراحل المبكرة، وتحمل قدر أكبر من المخاطر، والاستثمار في البنية التحتية العامة، وتسريع عمليات التمويل.
وترى أوث أن تطوير هذه الاستراتيجية يمكن أن يخدم في الوقت نفسه أهداف التنمية في الدول الشريكة والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية، عبر فتح أسواق جديدة أمام الشركات والتقنيات الأمريكية وتعزيز موقع واشنطن في المنافسة الدولية على مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
وفي ظل ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء وتزايد أهمية أمن الطاقة في السياسة والاقتصاد والأمن القومي، تدعو الورقة إلى انتقال الولايات المتحدة من انتظار المشاريع الجاهزة إلى المشاركة في بناء المشاريع والأسواق التي ستحتاج إليها الاقتصادات الناشئة في المستقبل.
س ع
أضف تعليقاً