حذّر تقرير بحثي من أن تصاعد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، بالتزامن مع النمو السكاني والتوسع الحضري السريع، يفرضان على دول الجنوب العالمي البحث عن حلول جديدة للتبريد تكون أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا في المناخ، بدل الاعتماد المتزايد على مكيفات الهواء التقليدية.
وأوضح التقرير، الذي نشره مركز المجلس الأطلسي (Atlantic Council)وهو مركز أمريكي وترجمته وكالة النبأ، أن عدد أجهزة تكييف الهواء المستخدمة حول العالم يبلغ حاليًا نحو 1.5 مليار جهاز، ومن المتوقع أن يرتفع إلى نحو 5.5 مليارات جهاز بحلول عام 2050، مدفوعًا بارتفاع الدخول ودرجات الحرارة، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة والنامية.
وأشار التقرير إلى أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يكون الطلب على التبريد العامل الرئيسي وراء زيادة الطلب العالمي على الكهرباء في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية بين عامي 2025 و2035، في وقت لا يمتلك فيه سوى نحو ثلث السكان في أكثر المناطق حرارة في العالم وسائل تبريد حاليًا.
التبريد ضرورة لمواجهة الحرارة
وبيّن التقرير أن تكييف الهواء لم يعد في العديد من المناطق مجرد وسيلة للراحة، بل أصبح ضرورة صحية لمواجهة درجات الحرارة الخطرة، خصوصًا بالنسبة لكبار السن والفئات الأكثر هشاشة، مبينا أن مدينة نيودلهي، حيث يُتوقع ارتفاع عدد الأيام التي تشهد حرارة شديدة من نحو36 يومًا سنويًا حاليًا إلى 48 يومًا بحلول عام 2050.
وفي المقابل، فإن التوسع الكبير في استخدام أجهزة التكييف التقليدية يفرض ضغوطًا إضافية على شبكات الكهرباء، كما يرتبط جزء كبير من الكهرباء المستخدمة في تشغيلها بالوقود الأحفوري، فضلًا عن مساهمة غازات التبريد في ظاهرة الاحتباس الحراري. ووفق التقرير، أسهم قطاع تكييف الهواء في نحو 3.2% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا عام 2022.
التبريد المركزي كبديل أكثر كفاءة
ويقترح التقرير توسيع استخدام أنظمة الطاقة الحرارية المركزية (District Energy Systems)، التي تعتمد على إنتاج التدفئة أو التبريد في موقع مركزي ثم نقل الطاقة الحرارية عبر شبكة من الأنابيب إلى مجموعة من المباني.
ويمكن لهذه الأنظمة، بحسب التقرير، تقليل استهلاك الكهرباء مقارنة بأنظمة التكييف التقليدية، مع إمكانية تحقيق وفرة في الطاقة تصل إلى 50% في أنظمة التبريد المركزي. كما يمكن دمجها مع مصادر مختلفة للطاقة، بما فيها الحرارة المهدرة الناتجة من مراكز البيانات ومنشآت معالجة النفايات.
ويبرز التقرير بصورة خاصة مفهوم شبكات الطاقة الحرارية الجوفية، التي تجمع بين آبار حرارية جوفية ومضخات حرارية تعتمد على مصادر تحت سطح الأرض لتوفير التدفئة والتبريد للمباني.
وتستفيد هذه التقنية من استقرار درجات الحرارة في باطن الأرض، ما يسمح بتبريد المباني خلال الطقس الحار وتدفئتها خلال الطقس البارد بكفاءة أكبر.
دول الجنوب العالمي أمام فرصة جديدة
ويشير التقرير إلى أن الطلب على التبريد سيرتفع بصورة كبيرة في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، التي ستشهد الجزء الأكبر من النمو السكاني خلال العقود المقبلة. وتظهر دول الخليج، ومنها الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان وقطر، إلى جانب دول في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، ضمن المناطق التي يمكن أن تستفيد بصورة كبيرة من شبكات التبريد الحرارية الجوفية.
كما يلفت التقرير إلى أن ارتفاع معدلات التحضر يجعل المدن الجديدة ومشاريع إعادة التطوير الحضري مواقع مناسبة لتطبيق هذه الأنظمة منذ مرحلة التخطيط، بدل محاولة تركيبها لاحقًا في مبانٍ قائمة، الأمر الذي قد يقلل تكاليف الإنشاء ويحد من الاضطرابات التي ترافق مشاريع البنية التحتية.
مشاريع بدأت بالفعل
وأشار التقرير إلى وجود عدد من المشاريع التي تعكس الاهتمام المتزايد بهذه التقنية. ففي أبوظبي، يجري استخدام التبريد الحراري الجوفي ضمن شبكة تبريد مدينة مصدر، إذ تُستغل المياه المستخرجة من بئرين جوفيين لتوفير نحو 10% من احتياجات التبريد في المشروع.
كما توجد مشاريع ومبادرات قيد التطوير في كولومبيا، ضمن برنامج يهدف إلى إنشاء مناطق حرارية حضرية وصناعية تربط مجموعة من المباني بشبكات للتدفئة والتبريد، مع توقعات بتحقيق وفورات في الطاقة تتراوح بين 30 و50%.
وتشهد مناطق أخرى اهتمامًا متزايدًا، من بينها إندونيسيا وتايلاند والسعودية وسنغافورة، مع دراسة إمكانات استخدام الطاقة الحرارية الجوفية لتلبية احتياجات التبريد في بعض المشاريع والمنشآت.
التمويل والتخطيط أبرز التحديات
وأكد التقرير أن انتشار هذه التكنولوجيا على نطاق واسع يتطلب تعاونًا بين الحكومات ومؤسسات التمويل الدولية والمطورين الحضريين، إلى جانب توفير أطر تنظيمية واضحة للاستثمار في الموارد الجوفية.
كما دعا إلى زيادة التمويل المخصص لمشاريع الطاقة الحرارية الجوفية، نظرًا إلى أن عمليات حفر الآبار تتطلب تكاليف أولية مرتفعة، رغم أن انخفاض تكاليف التشغيل على المدى الطويل يمكن أن يجعل هذه الأنظمة أكثر جدوى اقتصاديًا.
وخلص التقرير إلى أن التبريد الحراري الجوفي ما يزال تقنية ناشئة ومحدودة الانتشار عالميًا، لكنه يمثل فرصة واعدة لدول الجنوب العالمي، لأنه يجمع بين التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، وخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات، وتعزيز أمن الطاقة، خصوصًا في المدن التي تشهد نموًا سريعًا وتواجه موجات حر متزايدة.
أضف تعليقاً