شهد العراق خلال الساعات الماضية سلسلة تحركات حكومية وأمنية واقتصادية متزامنة، تصدرتها إجراءات مشددة لمعالجة ملف العشوائيات في بغداد، وملاحقة شبهات فساد وهدر للمال العام، بالتوازي مع تقدم ملف انسحاب التحالف الدولي وبدء الاستعدادات الفنية لإعداد موازنة عام 2027.
وتكشف المواقف والقرارات الصادرة عن مؤسسات الدولة عن تركيز حكومي على ملفات السيادة والأمن ومكافحة الفساد وضبط الأنشطة الاقتصادية، في وقت تتجه فيه وزارة المالية إلى اعتماد موازنة "البرامج والأداء"، بينما تسعى الحكومة إلى توسيع دور القطاع الخاص والتحول الرقمي في إدارة الاقتصاد.
حملة مرتقبة على العشوائيات
برز ملف العشوائيات في مقدمة التطورات الداخلية، إذ أكدت وزارة الداخلية عزم الحكومة اتخاذ إجراءات مشددة بحق المتورطين في بيع السكن العشوائي، مع تنسيق بين القوات الأمنية والشرطة وأمانة بغداد لتنفيذ حملة وصفتها بأنها "صارمة وقوية جداً".
وتأتي الإجراءات في أعقاب حادثة منطقة الدورة التي أسفرت عن مقتل ضابط برتبة عميد وأحد منتسبي الشرطة وإصابة أربعة آخرين خلال واجب لإزالة التجاوزات. وقالت الداخلية إنها حددت هوية قاتل العميد وضبطت البندقية المستخدمة في الجريمة، فيما ألقت القبض على 12 مطلوباً على خلفية الحادثة، أُطلق سراح خمسة منهم بقرار قضائي وبقي سبعة رهن الإجراءات القانونية.
وكشفت الوزارة لاحقاً أن قاتل الضابط اعتُقل داخل منزل شخص مطلوب وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش، بعد عملية نفذتها خلية الصقور الاستخبارية.
لكن معالجة العشوائيات لا تبدو أمنية فقط، إذ رأى الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن الملف يتطلب تنسيقاً مع التسجيل العقاري والزراعة وأمانة بغداد، إلى جانب معالجة الأسباب التي أدت إلى توسع المناطق العشوائية، محذراً من تحول التجاوزات الجديدة إلى أمر واقع يصعب التعامل معه لاحقاً.
مكافحة الفساد.. 19 مليار دينار في عقار واحد
وفي ملف المال العام، قالت هيئة النزاهة الاتحادية إنها أوقفت إجراءات بيع عقار حكومي تبلغ مساحته 550 دونماً ضمن التوسعة المستقبلية لمدينة الرمادي، بعدما رصدت مخالفات في إجراءات الإعلان والبيع وعدم استحصال الموافقات الأصولية.
ووفق تقديرات الهيئة، تصل القيمة الحقيقية للعقار إلى 33 مليار دينار، في حين كان السعر المحدد لبيعه يقل عنها بنحو 19.25 مليار دينار، ما دفع قاضي التحقيق المختص بقضايا النزاهة إلى إيقاف إجراءات البيع وإحالة الملف إلى التدقيق الخارجي.
وبالتوازي، قال الناطق باسم الحكومة حيدر العبودي إن تكامل عمل الحكومة والقضاء وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومجلس النواب أفضى إلى تحقيق مؤشرات في مكافحة الفساد "لم تتحقق في سنوات طويلة" منذ عام 2003.
شبهات بمليارات الدنانير في سوق الإنترنت
واتسعت إجراءات التدقيق لتشمل قطاع الاتصالات، بعدما كشف وزير الاتصالات مصطفى سند عن ضبط شركتين تعملان، بحسب الوزارة، على شراء وبيع ودمج الإنترنت بصورة غير قانونية، إلى جانب استخدام فواتير قال إنها مزورة.
وأوضح سند أن لجنة شُكلت لتقدير القيمة المالية للمخالفات، مشيراً إلى أن التقديرات الأولية تبلغ مليارات الدنانير، فيما لم تحدد القيمة النهائية بانتظار اكتمال التحقيقات.
وفي إجراء إداري مرتبط بالنزاهة، وجّه وزير العدل خالد شواني بتدوير جميع المنفذين العدول في مديريات التنفيذ بالمحافظات، بعد تطبيق الإجراء في بغداد، وقالت الوزارة إن القرار يستهدف تعزيز الشفافية والحيادية وتجديد آليات العمل.
30 أيلول.. موعد إنهاء وجود التحالف
وعلى مستوى ملف السيادة، قالت الحكومة إن عملية انسحاب قوات التحالف الدولي وتسليم المواقع إلى القوات العراقية "تسير بانتظام"، مؤكدة أن 30 أيلول المقبل يمثل موعداً مفصلياً لإنهاء وجود بعثة التحالف على الأراضي العراقية.
وربط الناطق باسم الحكومة ذلك بملف حصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أنه يتصدر أولويات المنهاج الوزاري وأن الدستور خوّل القوات المسلحة الرسمية احتكار أدوات القوة وحظر تشكيل جماعات مسلحة خارج المنظومة الأمنية الرسمية.
وفي السياق الأمني، كشفت قيادة عمليات بغداد عن ضبط 284 بطاقة "ماستر كارد" و32 جواز سفر و23 لوحة تسجيل و16 ختماً وسبع طائرات مسيرة غير مخولة، فضلاً عن أسلحة وعتاد وعجلات ودراجات مخالفة، ضمن عمليات أمنية نفذتها خلال الفترة من 10 إلى 29 آب.
موازنة 2027 تدخل مرحلة الإعداد
اقتصادياً، بدأت الحكومة التحضير لموازنة العام المقبل، إذ وجّه وزير المالية فالح ساري باستكمال المتطلبات الفنية لإعداد الموازنة العامة لعام 2027، مع تكثيف التنسيق بين وزارة المالية والمؤسسات الحكومية لتنظيم البيانات وتدقيقها.
وتتجه الوزارة إلى إعداد المشروع وفق نموذج "موازنة البرامج والأداء"، الذي يقوم على ربط تخصيص الموارد المالية بالبرامج والأهداف والنتائج بدلاً من الاقتصار على بنود الإنفاق التقليدية.
وفي مسار موازٍ، وضعت الحكومة المنافسة ومنع الاحتكار وتوسيع دور القطاع الخاص ضمن رؤيتها الاقتصادية، مؤكدة سعيها إلى توفير بيئة أعمال تقوم على تكافؤ الفرص وجذب الاستثمار، مع تمكين الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما تراهن الحكومة على التحول الرقمي والأتمتة لتقليل البيروقراطية وزيادة الشفافية وخفض كلفة ممارسة الأعمال، إلى جانب تطوير الدفع والتجارة الإلكترونية وربط المؤسسات بمنظومات رقمية متكاملة.
وبذلك، ترسم تطورات الساعات الماضية مشهداً داخلياً تتحرك فيه الحكومة على مسارات متوازية؛ من فرض القانون ومعالجة العشوائيات، إلى تضييق منافذ الهدر والفساد، مروراً بملف السيادة وانسحاب التحالف الدولي، وصولاً إلى إعادة تنظيم الاقتصاد والتحضير لموازنة 2027، فيما سيبقى تنفيذ هذه الإجراءات ونتائجها الفعلية المعيار الأهم لقياس أثرها خلال المرحلة المقبلة.
أضف تعليقاً