أظهرت دراسة دولية حديثة أن المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل تتزايد حول العالم، إذ يميل سكان غالبية الدول التي شملها الاستطلاع إلى الاعتقاد بأن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف، بدلاً من زيادتها خلال العقدين المقبلين.
وأجرى مركز بيو للأبحاث دراسة ترجمتها وكالة النبأ شملت 42,151 شخصاً في 36 دولة، خلال الفترة من 8 شباط/فبراير إلى 13 أيار/مايو 2026، بهدف قياس نظرة الجمهور إلى الذكاء الاصطناعي وتأثيراته المحتملة في الوظائف والاقتصاد والتفاوت الاجتماعي، إلى جانب دراسة الاختلافات في المواقف بحسب العمر ومستوى الدخل والتعليم ومدى المعرفة بالتكنولوجيا.
وبحسب نتائج الدراسة، فإن سكان 34 دولة من أصل 37 دولة شملها السؤال الخاص بسوق العمل كانوا أكثر ميلاً إلى توقع تراجع الوظائف نتيجة الذكاء الاصطناعي، مقارنة بمن يتوقعون أن تسهم التكنولوجيا في زيادة فرص العمل.
وتبدو المخاوف أكثر وضوحاً في عدد من الدول ذات الاقتصادات المرتفعة، إذ قال نحو سبعة من كل عشرة بالغين أو أكثر في أستراليا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى فقدان وظائف خلال السنوات العشرين المقبلة.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة من يتوقعون خسارة الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي بمقدار 7 نقاط مئوية خلال عامين، مقارنة بنتائج عام 2024.
الشباب أكثر قلقاً من تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف
وأظهرت الدراسة أن المخاوف من فقدان الوظائف لا تقتصر على فئة عمرية محددة، لكنها تبدو أعلى بين الشباب في عدد من الدول.
ففي دول مرتفعة الدخل مثل كندا وفرنسا وسنغافورة والسويد، إلى جانب دول متوسطة الدخل مثل الهند وإندونيسيا وماليزيا، كان البالغون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً أكثر ميلاً من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تراجع الوظائف.
وفي الولايات المتحدة، سجلت المخاوف من فقدان الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أكبر زيادة بين الفئة العمرية 18 إلى 34 عاماً مقارنة بالفئات الأكبر سناً.
مخاوف من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء
ولم تقتصر المخاوف على سوق العمل، إذ أظهرت الدراسة أن الناس في عدد من الدول يتوقعون أن يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء.
وبصورة عامة، كان المشاركون أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيزيد التفاوت الاقتصادي بدلاً من تقليله، فيما بقيت نسب كبيرة غير متأكدة من تأثيره في الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وسجلت دول مثل كوريا الجنوبية وأستراليا والولايات المتحدة واليونان وكندا نسباً مرتفعة من الأشخاص الذين يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى زيادة التفاوت الاقتصادي، إذ بلغت النسبة نحو أربعة من كل عشرة بالغين أو أكثر في هذه الدول. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة من يتوقعون أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تقليص التفاوت الاقتصادي ربع السكان في أي دولة شملتها الدراسة، وكانت هذه النسبة في خانة الآحاد في 29 دولة.
مشاعر متباينة بين القلق والحماس
وفي ما يتعلق بالموقف العام من انتشار الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، كشفت الدراسة عن مزيج من القلق والحماس.
وبلغ المتوسط الوسيط في 37 دولة 37% ممن قالوا إنهم يشعرون بقلق أكبر من الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، فيما قال 41% إنهم يشعرون بالقلق والحماس بالقدر نفسه.
وكانت كوريا الجنوبية من أبرز الأمثلة على هذا التباين؛ فعلى الرغم من ارتفاع نسبة من يتوقعون فقدان الوظائف وزيادة التفاوت الاقتصادي بسبب الذكاء الاصطناعي، قال 61% من الكوريين الجنوبيين إنهم يشعرون بالقلق والحماس تجاه التكنولوجيا بالقدر نفسه، فيما أعرب 21% عن حماسهم لها أكثر من قلقهم.
ارتفاع القلق في عدد من الدول
ورصدت الدراسة ارتفاعاً في مستويات القلق تجاه الذكاء الاصطناعي في عدد من الدول مقارنة بالعام الماضي.
وسجلت السويد أكبر زيادة، بارتفاع بلغ 9 نقاط مئوية في نسبة الأشخاص الذين قالوا إنهم أكثر قلقاً من حماساً تجاه الذكاء الاصطناعي، تلتها **بولندا** بثماني نقاط، وهولندا بسبع نقاط، والمجر بست نقاط، وأستراليا بأربع نقاط.
وفي الولايات المتحدة، بقيت المواقف مستقرة نسبياً خلال العام الماضي، لكنها تظهر مستوى أعلى من القلق مقارنة بما كانت عليه في عام 2021.
الوعي بالذكاء الاصطناعي يرتفع عالمياً
وبالتزامن مع تصاعد المخاوف، تشير نتائج الدراسة إلى أن الوعي بالذكاء الاصطناعي يتزايد في العديد من الدول.
وفي معظم البلدان التي شملها الاستطلاع، كان الشباب أكثر اطلاعاً على تقنيات الذكاء الاصطناعي من الفئات العمرية الأكبر سناً. كما ارتفعت نسبة الأشخاص الذين قالوا إنهم سمعوا أو قرأوا كثيراً عن الذكاء الاصطناعي في 11 دولة من أصل 25 دولة تتوافر فيها بيانات مقارنة بالعام السابق.
وتشير النتائج إلى أن الأشخاص الأكثر اطلاعاً على الذكاء الاصطناعي يميلون في نحو نصف الدول التي شملتها الدراسة إلى توقع تأثير أكبر للتكنولوجيا في سوق العمل، بما في ذلك احتمال فقدان الوظائف، بينما تزداد حالة عدم اليقين لدى الأشخاص الأقل معرفة بهذه التقنيات.
الفروق بين الدول الغنية والمتوسطة الدخل
وأظهرت الدراسة أن المخاوف بشأن الوظائف والتفاوت الاقتصادي ترتبط بدرجة كبيرة بمستوى الدخل القومي للدول.
ففي 18 دولة مرتفعة الدخل، بلغ المتوسط الوسيط لمن يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص عدد الوظائف 55%، مقابل 36% في 18 دولة متوسطة الدخل.
كما بلغت نسبة من يرون أن الذكاء الاصطناعي سيزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء 35% في الدول مرتفعة الدخل، مقابل 22% في الدول متوسطة الدخل.
وتشير هذه النتائج إلى أن النظرة العالمية إلى الذكاء الاصطناعي لا تزال تتشكل، في ظل تداخل التوقعات الاقتصادية مع المخاوف المتعلقة بسوق العمل والتفاوت الاجتماعي، بالتزامن مع توسع استخدام هذه التكنولوجيا وارتفاع مستوى الوعي بها في مختلف المجتمعات.
س ع
أضف تعليقاً