أظهر تقرير جديد صادر عن مركز بيو للأبحاث ترجمته وكالة النبأ أن غالبية الأميركيين ينظرون إلى حرية الصحافة باعتبارها عنصراً مهماً في المجتمع، لكن مواقفهم تختلف بصورة واضحة بشأن الحدود التي ينبغي أن تقف عندها هذه الحرية، ولا سيما عندما تتعارض مع مخاوف تتعلق بالأمن القومي أو المعلومات المضللة.
وأجرى مركز بيو للأبحاث، ضمن مبادرة مبادرة بيو-نايت، استطلاعين شَملا 3507 بالغين أميركيين خلال الفترة من 23 إلى 29 آذار/مارس 2026، و3488 بالغاً بين 22 و28 حزيران/يونيو 2026، إلى جانب عقد 10 مجموعات نقاشية عبر الإنترنت ضمت 74 أميركياً بين أيار/مايو وحزيران/يونيو. وتمثل نتائج الاستطلاعين آراء السكان البالغين في الولايات المتحدة، فيما استخدمت مجموعات النقاش لتقديم مزيد من السياق حول النتائج.
غالبية الأميركيين يرون حرية الصحافة مهمة
بيّن الاستطلاع أن 73% من الأميركيين يرون أن حرية الصحافة مهمة للغاية أو مهمة جداً لرفاه المجتمع، مقابل 18% قالوا إنها مهمة إلى حد ما، و8% رأوا أنها قليلة الأهمية أو غير مهمة.
وعلى الرغم من هذا التأييد الواسع من حيث المبدأ، أظهرت النتائج أن الأميركيين لا يتعاملون مع حرية الصحافة باعتبارها حقاً مطلقاً في جميع الظروف.
فعند سؤالهم عن المفاضلة بين حرية الصحافة ومنع نشر معلومات غير دقيقة، قال 53% إن منع التقارير غير الدقيقة أكثر أهمية حتى لو أدى ذلك إلى الحد من حرية الصحافة، بينما رأى 45% أن الأهم هو أن تبقى الصحافة حرة في نقل الأخبار حتى إذا احتوت بعض التقارير على معلومات غير دقيقة.
الأمن القومي والمعلومات غير الدقيقة
وتظهر حدود حرية الصحافة بصورة أوضح عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو المعلومات الكاذبة.
فقد قال 60% من الأميركيين إن الحكومة ينبغي أن تكون قادرة على إلزام مؤسسة إخبارية بحذف تقرير إذا كان يشكل خطراً على الأمن القومي، بينما أيد 51% اتخاذ الإجراء نفسه عندما يحتوي التقرير على معلومات غير صحيحة.
في المقابل، تنخفض نسبة المؤيدين لتدخل الحكومة بشكل كبير عندما يكون التقرير منتقداً للحكومة أو منحازاً إلى جانب سياسي معين؛ إذ قال 14% فقط إن الحكومة ينبغي أن تتمكن من إجبار المؤسسة الإعلامية على إزالة تقرير لأنه يؤيد طرفاً سياسياً، بينما أيد 10% ذلك إذا كان التقرير ينتقد الحكومة.
كما أظهرت النتائج أن المواقف تختلف بين الجمهوريين والديمقراطيين في هذه القضايا. ففي ما يتعلق بالأمن القومي، أيد 72% من الجمهوريين أو المستقلين المائلين للحزب الجمهوري قدرة الحكومة على إزالة التقرير في حال وجود خطر على الأمن القومي، مقابل 50% من الديمقراطيين والمستقلين المائلين إليهم. وفي حالة المعلومات غير الدقيقة، بلغت النسبة 59% بين الجمهوريين مقابل 45% بين الديمقراطيين.
نظرة الأميركيين إلى حرية الصحافة الحالية
وجد الاستطلاع أن 28% فقط من الأميركيين يرون أن وسائل الإعلام حرة تماماً في نقل الأخبار، بانخفاض عن 33% في عام 2025. وقال 48% إن الصحافة حرة إلى حد ما، بينما رأى 23% أنها ليست حرة كثيراً أو ليست حرة على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة الأميركيين الذين يشعرون بقلق شديد أو بالغ إزاء احتمال فرض قيود على حرية الصحافة من 41% في عام 2024 إلى 46% في عام 2026.
وتظهر هنا فجوة سياسية واضحة؛ إذ قال 18% من الديمقراطيين إن وسائل الإعلام حرة تماماً في نقل الأخبار، مقابل 41% من الجمهوريين. وفي المقابل، أعرب 64% من الديمقراطيين عن قلق شديد أو بالغ بشأن القيود المحتملة على حرية الصحافة، مقارنة بـ29% من الجمهوريين.
44% يرون أن الصحافة أصبحت أقل حرية في عهد ترامب
وبشأن إدارة الرئيس دونالد ترامب الحالية، قال 44% من الأميركيين إن الصحافة أصبحت أقل حرية خلال فترة إدارته، مقابل 12% قالوا إنها أصبحت أكثر حرية، بينما رأى 26% أنه لم يطرأ تغيير، ولم يحسم 17% موقفهم.
وتختلف هذه الآراء بصورة كبيرة بحسب الانتماء السياسي؛ إذ قال 72% من الديمقراطيين إن الصحافة أصبحت أقل حرية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مقابل 15% من الجمهوريين.
كما رأى 71% من الأميركيين أن العلاقة الحالية بين إدارة ترامب ووسائل الإعلام سيئة إلى حد ما أو سيئة جداً، مقارنة بـ11% فقط وصفوها بالجيدة، و17% اعتبروها محايدة.
الخلاف لا يقتصر على الحكومة
يشير التقرير إلى أن نظرة الأميركيين إلى حرية الصحافة لا ترتبط بالحكومة وحدها، بل تمتد إلى الشركات المالكة لوسائل الإعلام والمصالح المالية والسياسية.
وقال 54% من الأميركيين إن المؤسسات الإخبارية تتأثر بدرجة كبيرة بالشركات والمصالح المالية، بينما قال 49% إن التأثير الكبير يأتي من الحكومة والمصالح السياسية.
كما يرى 81% أن المصالح المالية تؤثر بدرجة كبيرة أو إلى حد ما في تحديد القصص الإخبارية التي يتم تناولها، بينما يرى 79% أنها تؤثر في التوازن بين وجهات النظر السياسية، و76% يرون تأثيرها في دقة الأخبار.
وبالنسبة للمصالح الحكومية والسياسية، قال 81% إنها تؤثر بدرجة كبيرة أو إلى حد ما في تحديد القصص التي تغطيها وسائل الإعلام، و79% في التوازن بين وجهات النظر السياسية، و77% في دقة الأخبار.
الأميركيون يشكون في حجب المعلومات عن الجمهور
أظهرت الدراسة أيضاً انتشار الاعتقاد بأن جهات ومؤسسات مختلفة تتعمد منع بعض الأخبار المهمة من الوصول إلى الجمهور.
وقال 59% من الأميركيين إن الحكومة الأميركية تفعل ذلك في كثير من الأحيان أو بشكل متكرر جداً، بينما بلغت النسبة 46% بالنسبة للمؤسسات الإخبارية، و46% لشركات التواصل الاجتماعي، و28% بالنسبة للصحفيين بشكل فردي.
وتختلف هذه التصورات سياسياً؛ إذ كان الجمهوريون أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن المؤسسات الإخبارية والصحفيين يحجبون الأخبار المهمة، بينما كان الديمقراطيون أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن الحكومة هي التي تفعل ذلك.
موقف متحفظ من الرقابة على وسائل التواصل
وجد التقرير أن الأميركيين يفرقون أيضاً بين الحالات التي يمكن فيها لشركات التواصل الاجتماعي إزالة المحتوى وتلك التي ينبغي فيها تركه منشوراً.
فقد أيد 67% قدرة شركات التواصل الاجتماعي على إزالة منشور إذا كان يشكل خطراً على الأمن القومي، و53% إذا كان يتضمن معلومات غير صحيحة.
في المقابل، رفض 75% منح الشركات الحق في إزالة منشور لمجرد أنه ينحاز بوضوح إلى طرف سياسي، كما رفض 71% ذلك إذا كان المنشور ينتقد الحكومة.
تصحيح المعلومات الخاطئة يحظى بتأييد واسع
عندما سأل مركز بيو المشاركين عن الإجراءات المناسبة في حال نشرت مؤسسة إخبارية معلومات غير صحيحة، قال 81% إن المؤسسة ينبغي أن تصدر تصحيحاً علنياً في جميع الحالات أو معظمها.
أما بشأن تدخل الحكومة، فقال 44% إن عليها إلزام المؤسسة بحذف التقرير في جميع الحالات أو معظمها، بينما أيد 32% فرض غرامة عليها في مثل هذه الحالات، في حين أيد 30% إقالة الصحفي الذي نشر التقرير.
وتشير النتائج إلى أن الأميركيين يميلون إلى دعم التصحيح العلني بدرجة أكبر بكثير من العقوبات الحكومية أو المهنية.
حدود ما يمكن للصحافة نشره
أظهر الاستطلاع كذلك وجود تفاوت في مواقف الأميركيين تجاه بعض الممارسات الصحفية.
فقد رأى 64% أن تسجيل رجال الشرطة أو عناصر إنفاذ القانون أثناء تنفيذ اعتقال في مكان عام أمر مقبول دائماً أو عادةً، بينما أيد 56% دائماً أو عادةً حق المؤسسات الإعلامية في الحفاظ على سرية هوية مصادرها.
وفي المقابل، كان الموقف أكثر تحفظاً تجاه نشر معلومات سرية من مصادر حكومية، إذ اعتبرها 21% غير مقبولة إطلاقاً و19% نادراً ما تكون مقبولة.
أما نشر تفاصيل مصنفة عن عمليات عسكرية أثناء نزاع مسلح، فكان الأكثر رفضاً؛ إذ قال 47% إنه غير مقبول إطلاقاً، و19% إنه مقبول نادراً.
معرفة الأميركيين بالتعديل الأول للدستور
تضمن التقرير اختباراً لمدى معرفة الأميركيين بأحكام التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يحمي حرية الصحافة وحرية التعبير إلى جانب حقوق أخرى.
وأجاب 51% فقط بصورة صحيحة عن أن حرية الصحافة من الحقوق التي يكفلها التعديل الأول، بينما اختار 26% إجابة تتعلق بالحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة، وهي عبارة واردة في إعلان الاستقلال، وليس في التعديل الأول.
كما أظهرت النتائج أن المعرفة بهذه القضايا أعلى بين خريجي الجامعات والرجال، بينما لم تظهر فروق عمرية كبيرة بصورة منتظمة. وبلغ متوسط الإجابات الصحيحة 4.5 من أصل 8 أسئلة بين جميع البالغين الأميركيين، مقابل 5.2 بين خريجي الجامعات.
انتقادات متبادلة بين السياسيين والإعلام
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين السياسيين والصحفيين، قال 68% من الأميركيين إن انتقاد المؤسسات الإخبارية والصحفيين للسياسيين مقبول تماماً أو إلى حد ما، بينما رأى 56% أن انتقاد السياسيين للمؤسسات الإخبارية والصحفيين مقبول بالدرجة نفسها.
وقال 39% إن انتقاد الصحفيين للسياسيين مقبول تماماً، مقابل 25% قالوا إن انتقاد السياسيين للصحفيين مقبول تماماً.
وتختلف المواقف بين الحزبين؛ فالديمقراطيون أكثر ميلاً إلى اعتبار انتقاد الصحفيين للسياسيين مقبولاً، بينما يميل الجمهوريون بدرجة أكبر إلى قبول انتقاد السياسيين لوسائل الإعلام والصحفيين.
قوة وسائل الإعلام في السياسة
ويعتقد 55% من الأميركيين أن المؤسسات الإخبارية تتمتع بقدر أكبر من اللازم من القوة والتأثير في السياسة، مقابل 14% يرون أن نفوذها أقل من اللازم، و29% يرون أن نفوذها في المستوى المناسب.
وترتفع نسبة من يرون نفوذ وسائل الإعلام مفرطاً بين الجمهوريين إلى 69%، مقابل 43% بين الديمقراطيين.
وتخلص نتائج الدراسة إلى أن الأميركيين يؤيدون حرية الصحافة على مستوى المبدأ، لكنهم يختلفون بشأن تطبيقها وحدودها عندما تتداخل مع قضايا مثل الأمن القومي والمعلومات غير الدقيقة والنفوذ السياسي والمالي.
ويظهر التقرير أن الموقف الأميركي من حرية الصحافة يتأثر بالسياق السياسي وبنظرة الأفراد إلى مصادر النفوذ على وسائل الإعلام. ففي حين يركز بعض الأميركيين على مخاطر تدخل الحكومة في عمل الصحافة، يركز آخرون على المعلومات المضللة أو نفوذ الشركات والمؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا.
ويؤكد مركز بيو أن الدراسة لا تقدم حكماً سياسياً على هذه المواقف، وإنما ترصد كيفية تفكير الأميركيين في حرية الصحافة والقيود المحتملة عليها في الولايات المتحدة خلال عام 2026.
س ع
أضف تعليقاً