لم تعد عملية التعليم مقتصرة على ما يحدث داخل جدران المدرسة فقط، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على بناء شراكات واسعة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع المحيط بها. فالمشاركة المجتمعية تهدف إلى جمع المؤسسات والمنظمات والأفراد الذين يؤثرون في حياة الأطفال والشباب، لإنشاء شبكة متكاملة تدعم التعلم والنمو والتطور.
وفي تقرير نشرته مؤسسة بروكينغز وترجمته وكالة النبأ اكدت فيه ان المشاركة المجتمعية تظهر في بيئات التعلم من خلال ثلاثة نماذج رئيسية، تختلف بحسب الجهة التي تتولى دور الوسيط والمنسق بين الشركاء، وهي: نموذج المدرسة كمركز، ونموذج المنطقة المدرسية، ونموذج المركز المجتمعي. ورغم اختلاف آليات العمل بينها، فإن الهدف المشترك هو تعزيز التعاون بين التعليم والمجتمع لتوفير فرص تعلم أكثر شمولاً وعدالة.
المدرسة كمركز للمشاركة المجتمعية
في هذا النموذج تصبح المدرسة نقطة الانطلاق الأساسية للتواصل والتعاون بين مختلف الجهات المجتمعية. ويتولى قادة المدرسة أو العاملون فيها مسؤولية بناء العلاقات مع الأسر، والطلاب، والمؤسسات المحلية، ومقدمي الخدمات، بهدف تلبية احتياجات المتعلمين بصورة أكثر شمولاً.
ويُعد نموذج المدارس المجتمعية أحد أبرز الأمثلة على هذا النوع من المشاركة، حيث تعمل المدارس على إقامة شراكات مع مؤسسات صحية واجتماعية وثقافية. فقد تتعاون بعض المدارس مع عيادات صحية لتوفير خدمات طبية أو نفسية للطلاب، أو مع مؤسسات تقدم برامج تعليمية مسائية للكبار، أو أنشطة صيفية للأطفال.
كما يظهر هذا النموذج في مدرسة مايا إمباكت في غواتيمالا، التي تقدم تعليماً ثانوياً للفتيات من السكان الأصليين في المناطق الريفية، من خلال منهج مرتبط بالثقافة المحلية وشراكات مع قادة المجتمع، والمرشدين، وأصحاب الأعمال، ومختصي العلوم والتكنولوجيا والفنون، إضافة إلى جهات توفر دعماً صحياً واجتماعياً للطالبات.
ويتميز هذا النموذج بأن المدرسة لا تعمل كمؤسسة تعليمية منفصلة، بل تصبح مركزاً يجمع الموارد والخبرات المتاحة في المجتمع لخدمة الطلاب وأسرهم.
المنطقة المدرسية كحلقة وصل بين التعليم والمجتمع
في نموذج المنطقة المدرسية، تنتقل مسؤولية تنسيق المشاركة المجتمعية من مدرسة واحدة إلى مستوى أوسع، حيث تتولى إدارات المناطق التعليمية أو شبكات المدارس مهمة بناء العلاقات مع المؤسسات والشركاء المحليين.
ويهدف هذا النموذج إلى تطوير رؤية مشتركة حول ما يحتاجه الطلاب للنجاح داخل المدرسة وخارجها، من خلال التعاون مع الشركات المحلية، والجهات الحكومية، والمنظمات المجتمعية.
ومن الأمثلة على ذلك منطقة مدارس بتلر في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، التي عملت مع شركائها في المجتمع على تطوير تصور شامل لمهارات الخريجين، بحيث لا تقتصر مخرجات التعليم على المعرفة الأكاديمية فقط، بل تشمل المهارات العملية والشخصية التي يحتاجها الطلاب في حياتهم المهنية والمستقبلية.
كما تعاونت المنطقة مع جهات حكومية ومجتمعية لمعالجة مشكلة الغياب المزمن عن المدرسة، من خلال التركيز على الأسباب الاجتماعية والتعليمية التي تؤدي إلى الغياب، بدلاً من الاكتفاء بالإجراءات العقابية.
وفي بعض الحالات، تتولى منظمات وسيطة مسؤولية دعم المناطق التعليمية في بناء هذه الشراكات، عبر توفير منسقين متخصصين يربطون المدارس بمقدمي الخدمات الصحية والاجتماعية والشركات المحلية، خصوصاً لخدمة الطلاب الذين يواجهون تحديات اقتصادية أو اجتماعية.
المركز المجتمعي كوسيط للتعلم والتعاون
في نموذج المركز المجتمعي، لا تكون المدرسة هي الجهة القائدة للشراكات، بل تتولى منظمة أو مجموعة مجتمعية دور الوسيط الذي يجمع مختلف الأطراف حول هدف تعليمي مشترك.
وتعمل هذه المراكز على ربط المدارس، والأسر، والمؤسسات الثقافية، والشركات، والمنظمات غير الربحية، بهدف خلق بيئة تعلم تمتد خارج حدود المدرسة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك منظمة ريميك ليرنينج (Remake Learning) في مدينة بيتسبرغ الأمريكية، التي طورت شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والمجتمعية، ونظمت فعاليات توفر للأطفال والعائلات تجارب تعليمية عملية في أماكن متنوعة مثل مراكز التكنولوجيا والفنون، والمتاحف، والحدائق العامة.
كما توجد تجارب مشابهة في دول أخرى، مثل مؤسسة إي.دوكيت أوروغواي التي تنظم فعاليات تعليمية تجمع المدارس والشركات والمؤسسات الثقافية والمجتمعية لتوفير فرص تعلم جديدة للأطفال.
وقد تكون المشاركة المجتمعية محدودة جغرافياً لكنها ذات تأثير كبير، مثل تجربة جمعية فاغا لومي في البرازيل، التي تعمل مع المجتمعات المحلية في منطقة الأمازون على إنشاء مكتبات مجتمعية تجمع بين حفظ التاريخ المحلي، وتعزيز الثقافة، ودعم القراءة ومحو الأمية.
المشاركة المجتمعية مسؤولية مشتركة
ترتبط كلمة مجتمع بأصل لاتيني يعني المشترك أو ما يخص الجميع، وهي تعكس فكرة أساسية مفادها أن تعليم الأطفال وتنمية قدراتهم ليست مسؤولية المدرسة وحدها، بل مسؤولية جماعية تشترك فيها الأسر، والمؤسسات، والمنظمات، والأفراد.
فالمجتمع التعليمي الحقيقي هو شبكة مترابطة تضم كل من يحيط بالطفل أو الشاب، من المدرسة والأسرة إلى المؤسسات الصحية والثقافية والاقتصادية. وكلما زاد التعاون بين هذه الأطراف، أصبحت منظومة التعلم أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتوفير فرص أفضل للأجيال القادمة.
وفي النهاية، فإن نجاح المشاركة المجتمعية يعتمد على إدراك الجميع أن بناء مستقبل الأطفال لا يتم داخل الفصل الدراسي فقط، بل من خلال تضافر جهود المجتمع بأكمله، لأن تعليم الطفل وتنميته مسؤولية تحتاج إلى قرية كاملة.
س ع
أضف تعليقاً