أكد المراقب السياسي الدكتور حميد الطرفي أن الاستثمار ليس عاراً ولا جريمة، بل وسيلة مشروعة لبناء الدول وتحريك الأسواق وتوفير فرص العمل، لكنه شدد على أن مشروعية الاستثمار لا تعني إعفاء المشاريع من الرقابة والمساءلة، ولا تبرر غياب الشفافية عن القرارات المتعلقة بأملاك الدولة.
وقال الطرفي، في حديث صحفي بشأن الجدل الدائر في كربلاء حول مشروع استثمار موقع مديرية التربية، إن تصريحات النائب محمد جاسم الخفاجي وما أعقبها من ردود تمثل مناسبة لطرح أسئلة جوهرية بشأن إدارة الأراضي العامة وأولويات الاستثمار في المحافظة.
وأضاف أن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف بين مسؤولين، بل يجب أن يتجه إلى جوهر القضية، متسائلاً عن أسباب عدم إعلان تفاصيل المشروع للرأي العام، رغم أن المداولات بشأنه، بحسب المعلومات المتداولة، مستمرة منذ نحو خمسة أشهر.
وأشار إلى أن الموقع يقع في قلب المدينة، وتبلغ مساحته آلاف الأمتار المربعة، فيما قُدّرت قيمته، وفق ما نُقل عن وزارة التربية، بنحو 200 مليار دينار، الأمر الذي يستدعي توضيحاً رسمياً بشأن طبيعة المشروع وآلية إحالته والعوائد المتوقعة منه.
وتساءل الطرفي: لماذا لم تُعرض تفاصيل هذه الفرصة الاستثمارية على الرأي العام منذ البداية، بما يتيح للمواطنين معرفة طبيعة المشروع، ويضمن التنافس بين المستثمرين، ويفتح المجال أمام الجهات المعنية لتقديم ملاحظاتها قبل اتخاذ القرار؟
وأكد أن إثارة هذه التساؤلات تدخل في صميم الرقابة على الشأن العام، وأن النائب الذي يطرح ملفاً يتعلق بأرض ذات قيمة كبيرة وموقع حيوي لا ينبغي أن يكون موضع اللوم لمجرد إثارة القضية، بل ينبغي أن تكون الإجابات والوثائق أساس النقاش.
وفي ما يتعلق بتبعية الأرض لوزارة التربية، أوضح الطرفي أن الوزارة هي التي اقترحت، وفق المعلومات المتداولة، تحويل الموقع إلى فرصة استثمارية، لكنه تساءل عن دور المحافظة في متابعة موضوع بهذه الأهمية، وعن مدى التنسيق بين الوزارة والحكومة المحلية، ولا سيما أن مديرية التربية من أكبر دوائر المحافظة وأكثرها ارتباطاً بمصالح المواطنين.
وأضاف أن ملكية الأرض لوزارة اتحادية لا تعني أن التصرف بها يجب أن يتم بمعزل عن احتياجات المدينة وأولوياتها، متسائلاً عن دور المحافظ في ضمان التنسيق بين الجهات الحكومية، وحماية المصلحة العامة، وتقييم آثار القرارات التي تتعلق بالمواقع الحيوية.
ولفت الطرفي إلى أن وزارة التربية نفسها، إذا كانت قد أبدت اعتراضاً على المشروع أو شككت في جدواه، فإن من الضروري الاطلاع على موقفها الرسمي وأسبابه، مؤكداً أن الأولى في هذه الحالة مناقشة مضمون موقف الوزارة والقرار المتعلق بالأرض، بدلاً من توجيه الانتقادات إلى النائب الذي أثار الموضوع.
وتابع أن القضية تطرح سؤالاً آخر يتعلق بأولويات الإنفاق في كربلاء، خصوصاً إذا كانت بناية مديرية التربية تعاني من التهالك أو من مشكلات في السلامة. وتساءل عن إمكانية تخصيص مبالغ لإعادة بنائها أو تأهيلها، في ظل ما أُعلن عن تخصيصات مالية حصلت عليها المحافظة خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن مدارس في مركز المدينة ما زالت تواجه تحديات الدوام الثلاثي واكتظاظ الصفوف، فضلاً عن تأخر إنجاز بعض مشاريع المدارس المهدمة، ما يجعل من الضروري دراسة إمكانية الاستفادة من موقع المديرية لإنشاء مدرسة أو أكثر، أو إيجاد بدائل تخدم القطاع التعليمي قبل حسم استخدامه لأغراض سكنية.
وشدد الطرفي على أن المطلوب ليس رفض الاستثمار، بل التأكد من أن المشروع يحقق منفعة عامة حقيقية، وأن الخيارات البديلة، بما فيها الحفاظ على ملكية الأرض والاستفادة من عائداتها وفق صيغة قانونية مناسبة، قد خضعت للدراسة والمقارنة.
وفي سياق متصل، تساءل عن أسباب تكرار الجدل بشأن تخصيص مواقع داخل مركز كربلاء للاستثمار السكني، مشيراً إلى أن مواقع كراج البلدية ومعمل الذرة الصفراء وموقع بيت المحافظ السابق، فضلاً عن موقع مديرية التربية، أثارت تساؤلات بشأن اتجاهات الاستثمار العقاري في المدينة.
ودعا إلى توضيح سياسة المحافظة في معالجة أزمة السكن، وتقديم بيانات عن الوحدات السكنية الشاغرة والمشاريع غير المكتملة، ومدى قدرة المجمعات الجديدة على تلبية احتياجات المواطنين، بدلاً من الاكتفاء بطرح أراضٍ عامة للاستثمار من دون نقاش علني كافٍ بشأن النتائج المتوقعة.
وختم الطرفي حديثه بالتأكيد أن الشفافية هي الأساس في إدارة المشاريع العامة، وأن من حق المواطن معرفة كيفية التصرف بأملاك الدولة، كما أن من حق ممثليه ممارسة دورهم الرقابي وإثارة الملفات التي يرون أنها تستحق التوضيح.
وقال إن الاستثمار ليس عاراً، لكن غياب الشفافية يفتح باب التساؤلات، والرقابة ليست خصومة، وإثارة ملف يتعلق بالمال العام لا تعني إدانة أحد، بل تستوجب إجابات واضحة من الجهات المسؤولة.
داعياً محافظ كربلاء وسائر الجهات المعنية إلى إعلان تفاصيل المشروع وبيان مبرراته وبدائله، بما يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات ويحفظ المصلحة العامة.
العراق
موقع تربية كربلاء في دائرة الجدل.. أسئلة الاستثمار والشفافية تضع المسؤولين أمام المساءلة
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً