بعد عقود من مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية، يعيد بعض المواطنين الفلسطينيين النظر في موقفهم من التصويت، مدفوعين بمخاوف من تصاعد العنف والجريمة المنظمة والتمييز، في ظل تداعيات الحرب في غزة وتنامي نفوذ اليمين المتطرف، وفقًا لما أورده موقع "ميدل إيست آي Middle East Eye"، وترجمته وكالة النبأ.
ويقول فلسطينيون داخل إسرائيل إن الانتخابات لم تعد بالنسبة إليهم مجرد وسيلة للمطالبة بميزانيات أكبر أو تحسين الخدمات العامة، بل باتت مرتبطة بمخاوف أوسع تتعلق بالأمن الشخصي والحقوق المدنية ومستقبل وجودهم في البلاد.
وقال إبراهيم سعيد، البالغ من العمر 70 عاماً، والذي قاطع الانتخابات منذ عام 1980، إنه قرر المشاركة هذه المرة بعدما تزايد شعوره بالخطر.
وأضاف سعيد، متحدثاً من مرآبه في منطقة الجليل،
أنه لم يعد يشعر بالأمان، معتبراً أن وضع المواطنين الفلسطينيين تدهور إلى حد بات
معه يشعر بأنه أقل من مواطن من الدرجة الثانية.
وتأتي هذه المواقف في وقت تتصاعد فيه التوترات
السياسية والأمنية، بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتزايد القيود والهجمات
في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب تصاعد الجريمة في البلدات الفلسطينية داخل
إسرائيل.
المشاركة بدافع الخوف
لم تتجاوز نسبة مشاركة المواطنين الفلسطينيين
في الانتخابات الإسرائيلية عام 2022 نحو 54 في المئة، لكن استطلاعات وتقديرات
نقلها موقع "ميدل إيست آي" أشارت إلى احتمال ارتفاعها في الاقتراع
الحالي إلى ما بين 68 و73 في المئة.
وقد يعزز ارتفاع المشاركة تمثيل الأحزاب
العربية في الكنيست، المؤلف من 120 مقعداً، مع توقعات بإمكان حصول القائمة
المشتركة وحزب التجمع العربي الديمقراطي "رعم"، بحسب ما ورد في التقرير،
على نحو 15 مقعداً.
وقال أمير فاخوري، المحلل في معهد فان لير
الإسرائيلي، إن الإقبال المتوقع لا يعكس بالضرورة تنامي الثقة بالمؤسسات السياسية،
بل قد يكون نتيجة الخوف من السياسات الحكومية والتوجهات التي تستهدف الفلسطينيين.
وأضاف فاخوري أن بعض الناخبين يرون في التصويت
وسيلة للحد من مخاطر التهجير والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة والأمان.
وأشار إلى أن المشاركة السياسية للأقليات ترتبط
عادة بالثقة في النظام، لكنه يرى أن الدافع لدى قطاعات من الفلسطينيين هذه المرة
مختلف، إذ يتمثل في البحث عن حماية داخل نظام لا يثقون بمؤسساته.
وتثير تصريحات أحزاب يمينية إسرائيلية بشأن
توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة على مناطق يسكنها فلسطينيون مخاوف لدى المواطنين
العرب، ولا سيما في الجليل والنقب.
ويتعهد حزب الصهيونية الدينية، بقيادة بتسلئيل
سموتريتش، بتعزيز ما يصفه بتهويد هاتين المنطقتين، اللتين تضمان أعداداً كبيرة من
المواطنين الفلسطينيين.
مقاطعة الانتخابات موضع مراجعة
ويواجه جوان صفدي، الموسيقي الفلسطيني المعروف
في العالم العربي، معضلة مماثلة، فقد اعتاد مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية،
انطلاقاً من اعتقاده بأن النظام السياسي لا يوفر مساواة حقيقية بين اليهود
والفلسطينيين.
وقال صفدي إن العملية الانتخابية تمنح
المواطنين الفلسطينيين مجالاً محدوداً للتأثير، من دون أن تتيح لهم، في رأيه،
تغيير السياسات الأساسية للدولة.
وأضاف أن التفاوت في الحقوق السياسية بين
السكان الفلسطينيين واليهود، إلى جانب استبعاد قطاعات واسعة من الفلسطينيين الذين
يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط من المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية،
يثير تساؤلات بشأن طبيعة النظام الديمقراطي في إسرائيل.
لكنه قال إنه بدأ يعيد النظر في موقفه، في ظل
تنامي نفوذ الأحزاب اليمينية وتصاعد الخطاب المعادي للفلسطينيين.
وأوضح صفدي أن تغيير الحكومة قد لا يؤدي
بالضرورة إلى تحول جذري، لكنه قد يتيح، من وجهة نظره، الحد من بعض السياسات التي
يعتبرها شديدة القسوة.
ومع ذلك، لا يزال متردداً في المشاركة، قائلاً
إن الاختيار بين الأحزاب المتنافسة يثير لديه تساؤلات بشأن جدوى التصويت على المدى
الطويل.
وقد أثار احتمال مشاركة شخصيات اعتادت المقاطعة
نقاشاً داخل المجتمع الفلسطيني، بين من يرى في التصويت وسيلة للحد من نفوذ اليمين،
ومن يعتبر أن المشاركة تمنح شرعية لنظام لا يحقق المساواة.
الجريمة المنظمة في صدارة المخاوف
ولا تقتصر دوافع المشاركة على القضايا
السياسية، إذ تمثل الجريمة المنظمة أحد أبرز مصادر القلق لدى الفلسطينيين داخل
إسرائيل.
وقال أدهم، وهو ميكانيكي في شمال البلاد طلب
عدم نشر اسمه الكامل، إنه يعتزم التصويت لحزب رعم، الذي يقوده منصور عباس، بسبب ما
يعتبره أولوية لحماية عائلته ومجتمعه من العنف.
وأضاف أن الخوف على أبنائه يدفعه إلى متابعة
مواعيد عودتهم إلى المنزل، مشيراً إلى أنه لا يسمح لهم بالبقاء خارجه بعد الساعة
العاشرة مساءً.
وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى تسجيل
252 جريمة قتل في المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل خلال العام الماضي، إضافة إلى
147 جريمة قتل في النصف الأول من عام 2026. كما ذكر التقرير أن الشرطة لم تتمكن من
حل سوى 12 في المئة من جرائم القتل المسجلة خلال تلك الفترة.
ويتهم ناشطون ومواطنون فلسطينيون السلطات
الإسرائيلية بالتقاعس عن مواجهة الجريمة المنظمة، بينما تقول السلطات إنها تعمل
على مكافحة العنف وتعزيز إنفاذ القانون.
وفي سياق متصل، يثير موقف الأحزاب الإسرائيلية
من التعاون مع الأحزاب العربية جدلاً خلال الحملات الانتخابية.
وقال أدهم إنه حضر فعالية انتخابية لزعيم
المعارضة السابق نفتالي بينيت، حيث أكد مشاركون أن تشكيل حكومة تضم أحزاباً عربية
ليس خياراً مطروحاً.
وأضاف أن مثل هذه المواقف تعكس، في رأيه،
استمرار الشكوك بشأن إمكان إشراك المواطنين الفلسطينيين في صنع القرار السياسي،
حتى لدى بعض قوى المعارضة.
مخاوف تتجاوز صناديق الاقتراع
وتقول مها محمد، وهي معلمة من مدينة أم الفحم،
إن الشعور بانعدام الأمان امتد إلى الحياة اليومية، بما في ذلك التنقل بين المدن
والمناطق التي يسكنها عرب ويهود.
وأضافت أن ارتداء الحجاب قد يزيد شعورها بالقلق
في بعض الأماكن، في ظل التوترات التي تصاعدت منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023
والحرب التي أعقبته في غزة.
وقالت محمد إن نساء في مجتمعها يضعن السلامة
الشخصية وأمن الأطفال والعائلات في مقدمة أولوياتهن، معتبرة أن هذه المطالب تمثل
الحد الأدنى من الحقوق التي ينبغي ضمانها.
وتعكس هذه المخاوف تحدياً أوسع يواجه المواطنين
الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يشكلون نحو خُمس السكان وفق الأرقام الرسمية،
ويشاركون في الانتخابات البرلمانية، لكنهم يقولون إنهم لا يزالون يواجهون التمييز
في مجالات مختلفة.
وبينما يرى مؤيدو المشاركة أن التصويت قد يمنح
الأحزاب العربية وزناً أكبر في الكنيست، يشكك المقاطعون في قدرة النظام السياسي
على إحداث تغيير جوهري.
وفي ظل هذا الانقسام، تبدو المشاركة الانتخابية
لدى بعض الفلسطينيين تعبيراً عن محاولة للتأثير في القرارات التي تمس حياتهم
اليومية، فيما يظل آخرون متمسكين بمقاطعة عملية انتخابية يرون أنها لا تضمن
المساواة.
وقالت محمد إن التصويت، بالنسبة إليها ولآخرين،
يحمل أيضاً رسالة مفادها أن الفلسطينيين باقون في البلاد، وأن أمنهم وحقوقهم
ومكانهم في المجتمع لا تزال قضايا أساسية بالنسبة إليهم.
أضف تعليقاً