بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

عقيدة إسرائيل الخبيثة

غازي العريضي*

في مرحلة الخلاف بين نتنياهو وترامب حول طريقة التعامل مع تداعيات الحرب المشتركة التي أعلناها ضدّ إيران، وتراجع شعبية الرئيس الأميركي، حمّل الأخير مسؤولية ما جرى لشريكه الذي ورّطه ووجّه انتقادات له، ولوّح بإمكانية عقد اتفاق مع إيران، وفعلها في مذكرة التفاهم في يونيو/ حزيران الماضي. قبل هذا الحديث وبعده، كرّر نتنياهو أكثر من مرة "أن أمن إسرائيل تحدّده إسرائيل، وسوف نذهب إلى بناء قدراتنا العسكرية باستقلالية تامة عن المساعدات المالية الأميركية التي نقدر على تجاوزها"، و"مستعدون لمهاجمة إيران وحدنا من دون مساعدة أميركا. ويجب إسقاط نظامها".

على أبواب الانتخابات الإسرائيلية، والهجمة الداخلية على نتنياهو، والانتخابات النصفية الأميركية، والمتاعب التي يواجهها ترامب، وإصراره على المشاركة المباشرة في التعبئة الداخلية لضمان سقوط الديمقراطيين، جمعت المصيبة بين الرجلَين، فخرج بتصريح علنيّ، أكّد فيه دعمه إعادة انتخاب نتنياهو الشخص الوحيد "الذي يمكن التعامل معه"، وجاء هذا الدعم والتدخل المباشر هديةً استثنائيةً لقائد حرب الإبادة الجماعية ضدّ الفلسطينيين، فنال جرعة من الفرح والشعور بالقوة، فكثّف لقاءاته وحملاته ضد المعارضة، وشكر ترامب على "دعمه الهائل" وعلى العمل المشترك، مؤكّداً: "معاً سننجز المهمّة"، بعد أن كان قد أعلن قبل هذا الدعم: "مستعدّون لتوجيه ضربة استباقية لإيران حتى من دون مساعدة أميركية. يجب منع العدو من توجيه الضربة الأولى. هدفنا القضاء على التهديد الإيراني، وإسقاط النظام في طهران"، و"سننتقل إلى شنّ عمليات هجومية واسعة لاجتثاث معاقل الإرهاب في الضفة الغربية، كما نعمل على إقامة مناطق عازلة وحواجز أمنية على حدودنا مع لبنان وسورية والأردن ومصر وقطاع غزّة".
يصرّ نتنياهو دائماً على تثبيت حق جيشه في استهداف أي موقع في أي وقت، استناداً إلى "احتمال" تشكيله خطراً
ليست الإشارة إلى العمليات الاستباقية عرضية، فإذا عُدنا إلى النقاشات التي كانت ولا تزال بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار، وتقليص عمليات استهداف المدنيين، وإلى اتفاقاتٍ وقّعت، ومنها "اتفاق الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل وأميركا، لوجدنا أن نتنياهو كان يصرّ دائماً على تثبيت حقّ جيشه في استهداف أي موقع في أي وقت، استناداً إلى "احتمال" تشكيله خطراً، أو إلى "شكّ" بإمكانية قيام العدو "بعمل" ضده، لم تكن المسألة هنا ولا هي الآن تعبّر فقط عن الرغبة في إكمال الحروب، هي بند من بنود عقيدة جديدة متكاملة أقرّها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وكشف النقاب عنها الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تامير هايمان، وفيها النقاط العشر التالية:

أولاً: "الهوية اليهودية للدولة أولاً، ولو على حساب الديمقراطية والمساواة"، يعني تكريس الدولة اليهودية العنصرية على حساب كل المكوّنات الإسرائيلية المستهدفة بشكل دائم، وعدم الأخذ بأي ملاحظة طُرحت حول قانون هوية هذه الدولة. ولذلك جاء التأكيد: "ولو على حساب الديمقراطية والمساواة"، رغم أنّ الزعم التاريخي الذي استمر عقوداً طويلة، يؤكد فيه المسؤولون الإسرائيليون "أنّ إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"! يعلن البند الأول هنا، بوضوح، سقوط هذه النظرية وتأكيد: الدولة يهودية ولا نقاش في هذا. لا مساواة، وهذا يلازم الخطر على الوجود الفلسطيني في الداخل ويفسّر الإصرار على الاستمرار في تهويد الضفة وغزّة وأراضي 1948.

ثانياً: "السلام مجرّد وسيلة واتفاقيات التطبيع مع الدول العربية ترتيبات مؤقتة"، أليس هذا ما يفسّر الاستهداف الدائم للأردن والتهديد المستمر لمصر، وهما اللتان وقّعتا اتفاقيتَي سلام مع إسرائيل، من خلال التمسّك بمشروع تهجير الفلسطينيين إليهما وغيرهما من الدول؟ فهل ثمة عاقل يراهن على حلٍّ مع إسرائيل أمام هذه العقيدة وتعاملها مع الدول العربية اليوم، وتأكيد نتنياهو "أنّ الدولة اليهودية لا حدود لها"؟ فما قيمة الاتفاقات إذاً؟
ساهم العرب ويساهمون في العبث بأمن دولهم، والتقاتل بينهم، وتسهيل تحقيق إسرائيل مشروعها الخطير عن قصد أو غيره، عن وهم بعضهم أنّ هذا يحميهم ويبعد الخطر عنهم
ثالثاً: "إضعاف الدول العربية وتشجيع تفكيكها وزعزعة استقرارها"، هذا مشروعٌ وهدفٌ رئيسي في السياسة الإسرائيلية كتبنا عنه الكثير من منطلق استراتيجي لإقامة الدولة اليهودية الـ "بلا حدود" (إسرائيل الكبرى) ومواجهة "الخطر الديمغرافي" العربي في كل المنطقة وفي الداخل الإسرائيلي، ويجب الإقرار هنا أن العرب ساهموا ويساهمون في العبث بأمن دولهم، والتقاتل بينهم، وتسهيل تحقيق إسرائيل هذا المشروع الخطير عن قصد أو غيره، عن وهم بعضهم أنّ هذا يحميهم ويبعد الخطر عنهم. يؤكّد مشهد اليوم سقوط كل النظريات، إلا النظرية الإسرائيلية للأسف، والعرب ينقادون إليها ويتورّطون فيها بوسائل وطرق مختلفة.

رابعاً: "الحرب الدائمة بدلاً من السلام والاستقرار"، أليس هذا ما كنّا وما نزال نؤكّده وتثبته حقائق "الحروب المفتوحة التي تخوضها إسرائيل"؟

خامساً: "السيطرة خارج الحدود ونقل الحروب إلى أراضي الجيران".

سادساً: "الاستقلال عن واشنطن وتقليص الاعتماد عليها".

سابعاً: "اقتصاد عسكري مستقل يعتمد على السلاح والتكنولوجيا".

 أليس هذا ما أشار إليه نتنياهو في أكثر من مناسبة، ونجح في تحقيق خطوات متقدّمة في طريق تنفيذه، وفي ظلّ التطورات التي تستهدف المنطقة اليوم والواقع العربي؟ في المواجهة مع إيران يقدّم نتنياهو نفسه "الحامي الوحيد" للعرب، ليس الشريك الوحيد! ويكرّر دائماً: "ترامب لم يحمكم. أنا أحميكم، أنا ورّطت الرجل في الحرب، واندفع بقوة، وقتلنا قادة إيران، لم يكن يريد ضرب الحوثيين، ذهبتُ وضربتهم وما زلت عند رأيي بالاستعداد لتنفيذ قناعتي بإسقاط النظام الإيراني والقضاء على الحوثيين، لم تحمكم الصواريخ الدفاعية الأميركية والقواعد الأميركية كانت مكشوفة، أنا الوحيد القادر على هذا"، يعني ستكون الصناعة العسكرية المستقلة الواردة في هذا البند من العقيدة الجديدة والمستندة إلى التكنولوجيا محوراً أساسياً في تعزيز دور الشركات الإسرائيلية ذات الاختصاص في تصنيع السلاح وتقنياته لينافس الصناعات الأميركية وغيرها.

الكل متفق على عدم الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة على أرضهم وغالبية تتحدّث عن وعود إلهية بحقّ إسرائيل في أراضٍ لبنانية وسورية ومصرية وأردنية وسعودية وغيرها

ثامناً: "لا دولة فلسطينية"، أليس هذا المبدأ السائد في إسرائيل لدى غالبية كبيرة من المتنافسين في الانتخابات؟ يقول نتنياهو: "شرط الانضمام إلى حكومتي عدم قيام "دولة فلسطينية"، ولهذا تداعياته. ويقول إيزنكوت: "لا لدولة فلسطينية"، وهذا منافسه القوي، وليبيد يؤكد: "حدود دولة إسرائيل التوراة"، الكل متفق على عدم الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة على أرضهم وغالبية تتحدّث عن وعود إلهية بحقّ إسرائيل في أراضٍ لبنانية وسورية ومصرية وأردنية وسعودية وغيرها، والعرب في مكان آخر، وقد جعل الأمر نتنياهو في رد على سؤال مذيع تلفزيوني في إطار حملاته الانتخابية: "هل تصدّق العرب، أنهم مهتمون بالفلسطينيين. هذا هراء، وأنا أعرف ماذا يقولون لي في الكواليس، إنهم مهتمون بالفلسطينيين بقدر اهتمامك أنت تماماً".

تاسعاً: توسيع الاستيطان. فالمستوطنات مواقع عسكرية توظّف لفرض السيطرة الميدانية".

عاشراً: "الهجوم قبل الدفاع وتفضيل الضربات الاستباقية"، وهذا ما أشرنا إليه في كلام نتنياهو وقناعته بتفوق من يوجّه الضربة الأولى ودعوته إلى أن نكون مستعدين لاتخاذ إجراءات مبادرة". وقال تامير هايمان الذي كشف هذه العقيدة: "ليست هذه السياسات والمبادئ منفصلة، بل أجزاء مترابطة في رواية واحدة ترفض التسوية، تنكر حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة، وتتعامل مع العرب ساحات للنفوذ والسيطرة".

وكنتُ أشرت إلى هذا الأمر في "العربي الجديد": العرب مساحات وساحات وفضاءات مستباحة أمام إسرائيل تسودها "حروب مفتوحة متزامنة"، على حدّ تعبير نتنياهو الذي توعّد السلطة الفلسطينية "بمفاجآت" لا تتوقعها بعد تهديدات سموتريتش وبن غفير وكاتس بالسعي إلى تفكيكها. وبعد عملية الخليل يوم الجمعة الماضي، بدأ كاتس يروّج لتنفيذ ما توعّد به: "... حيث تكون اعتداءات سيتم إفراغ المدن، وتنفيذ اغتيالات. ونقل السكان إلى غور الأردن من ناحية الضفة"، وسموتريتش أعلن: "سيكون هدم لمبانٍ في موقع العملية. وثمة خطة لإخلاء أي منطقة يقع فيها اعتداء على إسرائيليين"، وقد بدأ تنفيذ التهديد.

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى ما قاله عضو الكنيست السابق، موشيه فيغلين، عن "خطر الطفل العربي الذي سيولد وسيقتل أبناءك" في نقاش مع إعلامية، أعود هنا إلى ما قاله هذا الرجل عندما كان عضواً في الكنيست في لقاء مع صحيفة لوموند الفرنسية في عام 2014، وكتبت عنه في كتاب "إسرائيل إلى الأقصى"، في 26/3/2014 تحت عنوان "أخبث كلام إسرائيلي"، قال: "الحلم اليهودي الذي سمح لشعبنا بالبقاء حياً خلال ألفي عام هو إعادة بناء الهيكل، كل من يتخلى عن هذا القدر والعزم يخرج نفسه من صفوف الشعب اليهودي. ليست المسألة مسألة الصلاة في جبل الهيكل. هي مسألة سيادة، ولا نقاش فيها، نحن لا نتقاسم هذه المواقع مع أحد، ولا نتشارك فيها مع أحد، هل يتشارك ويتقاسم المسلمون مكة مع غيرهم؟ وهل يتشارك أو يتقاسم المسيحيون الفاتيكان مع غيرهم؟ نحن لا نتقاسم القدس. ولا نتشارك فيها مع أحد، هذا خط أحمر بالنسبة إلينا".
ثمّة في الانتخابات الإسرائيلية رغبة عند كثيرين في الداخل وفي الجوار والعالم بأن يسقط نتنياهو، نظراً إلى ما فعله وما يريد أن يفعله
أفادت الصحيفة بأن ذلك الكلام مستلهم من "معهد الهيكل" الذي يرأسه الحاخام إسرائيل آرييل الذي قال إن مليون زائر يدخل إلى متحف المعهد، وهو واحد من خمسة حاخامات أرسلوا كتاباً إلى وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، اعتبروا فيه مساعيه لتحقيق اتفاق مع الفلسطينيين "إعلان حرب ضد الخالق" (!). وقال للصحيفة: "على العرب أن يدركوا أن مساجدهم يجب أن تزول وعندما يعاد بناء الهيكل يمكن لليهود والمسلمين والمسيحيين أن يأتوا للصلاة في قدس الأقداس"، ما دفعني إلى نعت هذا بأنه "أخبث كلام إسرائيلي". وأمام ما يجري اليوم والعقيدة الجديدة والاندفاعة الإسرائيلية باستهداف الكنائس والمساجد والمقدسات كلها، والحديث عن الاستيطان والتوسّع والتهجير والإبادة والقتل والعنصرية، نحن أمام "أخبث عقيدة"، هكذا يتطور المشروع الإسرائيلي، وتتحقق أهدافه على مراحل نعيش أخطرها اليوم!

ثمّة في الانتخابات الإسرائيلية رغبة عند كثيرين في الداخل وفي الجوار والعالم بأن يسقط نتنياهو، نظراً إلى ما فعله وما يريد أن يفعله. وقد يفرح كثيرون لحظة، لكن المسألة أبعد من هذا. سبق وقلت: إذا خسر فقد يشعل المنطقة، متجاوزاً كل الاعتبارات، والاستعدادات لذلك قائمة على قدم وساق، وطبول الحرب تقرع، وترامب فوّضه ولا يرغب في التعاون إلّا معه، وبالتالي يفرض أمراً واقعاً ومبنياً على العقيدة الخبيثة، وهل يُراهَن على من سيخلفه أو سيشاركه في حكومة وحدة، ما دامت العقيدة واحدة؟ خصوصاً لناحية رفض حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، أما دولة إسرائيل فلا حدود لها، وإذا نجح فسيكون انتصاراً مدوّياً ولن يوقفه أحد، وفي كل الحالات، العرب غارقون في حروب، ومقبلون على حروب لن تبقي شيئاً، لقد خرج عمرو موسى ومحمد بن راشد وحمد بن جاسم وشيخ الأزهر بتصريحات عاقلة مدروسة، دعوا فيها إلى التفاهم ووضع الخلافات جانباً، وتشكيل لجنة حكماء وعقلاء لإدارة حوار بين القادة العرب ومع إيران لتجنيب المنطقة كوارث إضافية، وإنقاذ ما تبقى، في ظل أزمة ثقة بأميركا وتهديد من إسرائيل وأزمات ثقة بين بعضهم. ولاقاهم في الدعوة نفسها الزعيم الوطني اللبناني، وليد جنبلاط، الخبير السياسي العتيق العريق، والذي يريد إنقاذ لبنان ووحدته ومستقبله أيضاً، فهل من مُستجيب؟ لا شيء يطمئن، ودائرة زنّار النار تتّسع.

*العربي الجديد

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً