أثارت دراسات علمية حديثة تساؤلات بشأن تأثير الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في قدرات الإنسان على التفكير النقدي والتذكر والتعلم، وسط تحذيرات من أن تفويض المهام الذهنية لهذه الأدوات قد يقلص فرص اكتساب المعرفة والمهارات بصورة مستقلة.
وتشير الأبحاث إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع القدرات العقلية، لكنه قد يغير الطريقة التي يعالج بها الإنسان المعلومات، خصوصاً عندما يتحول من البحث والتحليل والاستنتاج إلى الاكتفاء بتلقي الإجابات الجاهزة دون التحقق من صحتها.
وكشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة كارنيغي ميلون ومايكروسوفت ريسيرش، ونشرت عام 2025، عن ارتباط ارتفاع الثقة بأدوات الذكاء الاصطناعي بانخفاض الجهد المبذول في التفكير النقدي لدى مستخدميها.
وشملت الدراسة 319 موظفاً في مجالات العمل المعرفي، استعرضوا 936 تجربة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأظهرت نتائجها تحولاً في طبيعة النشاط الذهني من إنتاج الإجابات إلى مراجعتها والتحقق منها والإشراف على استخدامها.
وأوضح الباحثون أن النتائج لا تثبت حدوث تراجع دائم في القدرات العقلية، لكنها تثير مخاوف بشأن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية، خصوصاً عندما يقبل المستخدمون مخرجاتها دون تحليل أو تدقيق.
وفي ما يتعلق بالذاكرة، أظهرت دراسة نشرتها مجلة "ساينس" أن الأشخاص الذين يتوقعون إمكان الوصول إلى المعلومات مجدداً عبر الإنترنت يميلون إلى تذكر مكان العثور عليها أكثر من تذكر محتواها.
وتسلط النتائج الضوء على ظاهرة تعرف باسم "التفويض المعرفي"، وتعني الاستعانة بأدوات خارجية لأداء مهام ذهنية، وهو سلوك قد يسهم في توفير الوقت والجهد، لكنه قد يحد من فرص التدريب على مهارات أساسية عندما تستخدم الأدوات بديلاً عن التعلم.
وفي السياق نفسه، أشارت مراجعة علمية نشرتها مجلة "نيتشر ريفيوز سايكولوجي" عام 2022 إلى أهمية استرجاع المعلومات والتدريب المتباعد في تعزيز التعلم وترسيخ المعرفة، بما يشير إلى أن الاطلاع على الإجابات الصحيحة وحده لا يكفي لاكتساب المهارات.
وأظهرت دراسة أولية أجراها باحثون مرتبطون بمختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ونشرت في حزيران 2025، اختلافات في أنماط الاتصال العصبي وتذكر النصوص بين مشاركين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات وآخرين استعانوا بمحركات البحث أو كتبوا دون مساعدة.
واعتمد الباحثون على تخطيط النشاط الكهربائي للدماغ وتحليل النصوص وتقييمها، فيما رصدوا اختلافات في قدرة المشاركين على تذكر ما كتبوه وشعورهم بملكية أعمالهم، دون أن تقدم الدراسة الأولية دليلاً حاسماً على أن استخدام الذكاء الاصطناعي يسبب تراجعاً دائماً في القدرات المعرفية.
وتبرز هذه النتائج تحدياً متزايداً أمام المؤسسات التعليمية وبيئات العمل، يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من سرعة الذكاء الاصطناعي وكفاءته، والحفاظ على ممارسة المهارات الذهنية اللازمة للفهم والتحليل والاستنتاج.
وتشير مجمل الأبحاث إلى أن التأثير المعرفي للذكاء الاصطناعي يرتبط بدرجة كبيرة بطريقة استخدامه، إذ يمكن أن يشكل أداة لتعزيز التعلم والإنتاجية عندما يدعم التفكير البشري، بينما قد يؤدي الاعتماد غير النقدي على مخرجاته إلى تقليص فرص ممارسة المهارات التي يقوم عليها التعلم المستقل.
أضف تعليقاً