بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
حقوق الانسان

أطفال اليمن يواجهون تداعيات نفسية للحرب مع تصاعد القتال في تعز

يواجه أطفال في محافظة تعز اليمنية تداعيات نفسية متزايدة جراء تجدد الاشتباكات والقصف، في ظل إغلاق المدارس وتراجع قدرة الأسر والمنظمات الإنسانية على توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وسط مخاوف من انعكاسات طويلة الأمد على صحتهم النفسية ومستقبلهم التعليمي، وفقاً لما أورده موقع "ميدل إيست آي  Middle East Eye"، وترجمته وكالة النبأ.
وتقول تغريد عبد الإله، وهي أم لثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين أربع وعشر سنوات، إن تصاعد المعارك في قريتها، الواقعة على بُعد نحو 30 كيلومتراً من مدينة تعز، خلال أكتوبر/تشرين الأول، دفعها إلى جمع أطفالها داخل ممر المنزل، في محاولة لحمايتهم من الانفجارات والشظايا.

وأضافت أن انفجاراً وقع بالقرب من منزلها، بينما كان زوجها خارج المنزل، ما تسبب في إصابة أطفالها بحالة من الذعر والبكاء المتواصل.
وقالت عبد الإله إن الأطفال ظلوا يبكون لساعات، وإنها لم تتمكن من تهدئتهم، مضيفة أنها انهارت وبكت معهم في بعض الأحيان.
واستمرت حالة الخوف أربعة أيام، تخللتها فترات هدوء قصيرة كان خلالها الجيران يزورون الأسرة لطمأنة الأطفال، قبل أن تتجدد الاشتباكات ويعودوا إلى البكاء.
وقالت إن سلوك أطفالها تغير منذ تلك الأحداث، إذ أصبحوا أكثر غضباً وخوفاً، فيما يعاني الطفلان الأصغر سناً من التبول اللاإرادي أثناء النوم، بينما بات الأكبر يتحدث باستمرار عن احتمال مقتله.
وأضافت أن أطفالها لم يعودوا قادرين على النوم بمفردهم، وأصبحت الأسرة تنام جميعها في غرفة واحدة، فيما ينام الصغيران بين ذراعيها بسبب الكوابيس والخوف من مغادرة المنزل.
إغلاق المدارس وتفاقم المخاوف
وأُغلقت المدارس الحكومية في محافظة تعز، بما في ذلك مدينة تعز والمناطق الريفية، منذ الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، بسبب تدهور الوضع الأمني، فيما بات خروج الأطفال للعب أو التنقل خارج منازلهم محفوفاً بالمخاطر.
وقالت عبد الإله إن أطفالها فقدوا اهتمامهم باللعب والدراسة، وأصبح الحديث عن الحرب والموت يشغل معظم أوقاتهم.
وأضافت أنها تخشى أن تستمر آثار التجربة النفسية التي مروا بها حتى بعد توقف القتال وعودة الحياة إلى طبيعتها.
وتستمر الاشتباكات في محيط المدينة والمناطق الريفية، بالتزامن مع محاولات الحوثيين التقدم باتجاه محافظة لحج، فيما يشن التحالف بقيادة السعودية غارات جوية تستهدف مواقع للجماعة في مناطق مختلفة من تعز.
وأدت المواجهات والغارات إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم أطفال.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن 1677 شخصاً قُتلوا وأصيب أكثر من 7395 آخرين في أنحاء اليمن خلال الفترة من أغسطس/آب وحتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2026.
من جهته، قال مازن عقلان، المدير التنفيذي لمركز تعز الحقوقي، إن 19 طفلاً قُتلوا وأصيب 49 آخرون في المحافظة خلال أكتوبر/تشرين الأول.
الخوف يغيّر أولويات الأطفال
ولم تقتصر التداعيات على الأطفال الذين شهدوا القصف بصورة مباشرة، بل امتدت إلى آخرين يتعرضون لمشاهد الحرب عبر الهواتف المحمولة، أو يسمعون قصصاً عن القتلى والجرحى من أقرانهم والبالغين.
ويقول عُدي، وهو طفل يبلغ من العمر 13 عاماً ويدرس في الصف السابع بمدينة تعز، إن حياته تغيرت منذ تجدد القتال في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول.
فبعدما كان يقضي صباحه في المدرسة وبعد الظهر في اللعب مع أصدقائه، بات يمضي معظم وقته داخل المنزل، متابعاً الأخبار ومقاطع الفيديو عبر هاتفه المحمول.

وقال عُدي إن مشاهد القتلى والقصص التي يسمعها عن المعارك السابقة جعلته يشعر بأن الموت قد يأتي في أي لحظة.

وأضاف: "الحياة ليست سهلة، والموت قريب من الجميع. كنا منشغلين بدراستنا، ولم نكن ندرك أن الإنسان قد يفقد حياته في دقيقة واحدة".

وعندما سُئل عما إذا كانت الدراسة لا تزال تمثل أولوية بالنسبة إليه، قال: "الدراسة مهمة، لكن لا يوجد ضمان بأننا سنبقى على قيد الحياة حتى تُفتح المدارس من جديد. الموت أقرب إلينا من استئناف تعليمنا".

وقال والده، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، إن ابنه لم يكن يتحدث بهذه الطريقة قبل أن يشاهد صوراً ومقاطع فيديو لطفل قُتل في المدينة.

وأضاف أن الأسرة تحاول إبقاء الأطفال بعيداً عن مناطق الاشتباكات، لكن من الصعب حمايتهم من الآثار النفسية للحرب، خصوصاً في ظل انتشار الهواتف المحمولة وتداول صور الضحايا بين الأطفال.

وقال إن مشاهد الأطفال القتلى تؤثر في البالغين أيضاً، مشيراً إلى ضرورة توفير دعم نفسي عاجل للأطفال والأسر المتضررة.

وأضاف أن الأسر تركز خلال الحرب على حماية أطفالها من الإصابات والقتل، بينما لا تحظى صحتهم النفسية بالاهتمام الكافي، رغم ما قد تتركه الصدمات من آثار طويلة الأمد.

احتياجات تتجاوز قدرات المنظمات

وقال عقلان إن أكثر من 100 ألف طفل في محافظة تعز تعرضوا لصدمات نفسية نتيجة القصف والانفجارات ومشاهد العنف، ويحتاجون إلى خدمات الرعاية النفسية.

وأوضح أن الأطفال الأكثر احتياجاً إلى الدعم هم الذين فقدوا أفراداً من أسرهم، أو تعرضت منازلهم للقصف، أو اضطروا إلى النزوح، أو عاشوا بصورة مباشرة تداعيات المواجهات المسلحة.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف قد أفادت في منتصف سبتمبر/أيلول، قبل التصعيد العسكري الأخير حول تعز، بنزوح أكثر من 57 ألف طفل خلال أسبوعين.

وعلى المستوى الوطني، ذكرت الأمم المتحدة في وقت سابق من العام الجاري أن 12.2 مليون طفل في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.

وفي المقابل، أعلن مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة تعز أن المنظمات الإنسانية العاملة في المحافظة قدمت خدمات الدعم النفسي والاجتماعي إلى 719 طفلاً، فيما تلقى 219 طفلاً جلسات للإسعافات الأولية النفسية.

وتشير هذه الأرقام إلى اتساع الفجوة بين الاحتياجات النفسية للأطفال وحجم الخدمات المتاحة لهم، خصوصاً مع استمرار المواجهات وتزايد أعداد الأسر المتضررة.

تحذيرات من آثار طويلة الأمد

وقالت الأخصائية النفسية صبا الصبري، التي تعمل مع مؤسسات تقدم خدمات الدعم النفسي في تعز، إن فرقاً متخصصة رصدت تغيرات سلوكية لدى الأطفال خلال الشهر الماضي، من بينها الخوف المستمر والعصبية والحزن والتبول اللاإرادي والتعلق الشديد بالوالدين، فضلاً عن تراجع الرغبة في التعلم.

وأضافت أن بعض الأطفال باتوا يعتقدون أنهم سيموتون أو يتعرضون لإصابات خطيرة، الأمر الذي ينعكس على سلوكهم وقدرتهم على التركيز والتفاعل مع محيطهم.

وقالت الصبري إن جلسات الإرشاد والدعم النفسي التي تقدمها المبادرات والمنظمات الإنسانية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتراكمة على مدى أكثر من 11 عاماً من الحرب.

وأوضحت أن التصعيد الأخير أضاف أعداداً جديدة من الأطفال إلى قائمة المتضررين، ما يزيد الحاجة إلى توسيع برامج الدعم النفسي والاجتماعي.

وحذرت من أن تجاهل مخاوف الأطفال وعدم تخصيص وقت للاستماع إليهم والتحدث معهم قد يؤدي إلى تفاقم آثار الصدمات النفسية.

كما أشارت إلى أن بقاء الأطفال داخل المنازل لفترات طويلة، وحرمانهم من اللعب والتفاعل مع أقرانهم، يزيد من مستويات التوتر والعصبية، ويؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي.

وقالت إن الأطفال يحتاجون إلى مساحات آمنة تتيح لهم اللعب والتفاعل، إلى جانب توفير خدمات متخصصة تساعدهم على تجاوز آثار العنف والخوف.

وبالنسبة إلى عبد الإله، لا تزال الأولوية تتمثل في استعادة أطفالها الشعور بالأمان، لكنها تقول إن الحصول على العلاج النفسي ليس أمراً متاحاً بسهولة في ظل الظروف الراهنة.

وأضافت: "لو كان العلاج النفسي متاحاً، لما ترددت في اصطحاب أطفالي لتلقيه، لكننا نعيش في زمن الحرب، ومن الصعب الوصول إلى هذه الخدمات، لأنها غالباً ما تكون متاحة في المدينة فقط".

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً