بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العراق

العراق أمام اختبار السيادة.. هل ينجح في منع التصعيد الإقليمي من التمدد؟

وكالة النبأ الخبرية – تحليل

يجد العراق نفسه مجدداً أمام اختبار بالغ الحساسية، بعدما أعادت التطورات العسكرية الأخيرة طرح سؤال السيادة بقوة: هل تستطيع بغداد منع استخدام أراضيها في صراعات إقليمية ودولية، من دون أن تتحول في الوقت نفسه إلى طرف مباشر في مواجهة تتجاوز حدودها؟

ويأتي ذلك وسط تصعيد إقليمي متسارع، تخللته اتهامات باستخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات، أعقبتها ضربات أميركية وسعودية داخل العراق، في تطورات تضع الحكومة أمام معادلة أمنية وسياسية شديدة التعقيد.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن خطورة المشهد لا تكمن في الضربات بحد ذاتها، بقدر ما تكمن في احتمال تحول العراق إلى مساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين أطراف تمتلك حسابات ومصالح تتجاوز الساحة العراقية.

وتؤكد بغداد رفضها استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد دول أخرى، كما ترفض أن يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

لكن المسألة تتجاوز إصدار المواقف والبيانات، إذ إن جوهر اختبار السيادة يرتبط بقدرة الدولة على منع أي طرف من استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات يمكن أن تستدعي رداً عسكرياً من الخارج.

وهنا تظهر واحدة من أصعب معادلات المشهد العراقي، فالحكومة مطالبة بحماية الأراضي العراقية ومنع استخدامها في الصراعات الخارجية، لكنها تتحرك داخل بيئة أمنية وسياسية تضم جماعات وفصائل متعددة، تختلف في علاقاتها وأولوياتها ودرجة ارتباطها بالقوى الإقليمية.

وبالتالي، فإن قدرة بغداد على ضبط هذه المساحة ستكون عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى محدوداً أم يتحول إلى مسار أوسع.

العراق بين واشنطن وطهران

تزداد صعوبة الموقف بسبب طبيعة العلاقات العراقية مع الولايات المتحدة وإيران.

فالعراق لا يستطيع تجاهل علاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية مع واشنطن، كما لا يستطيع التعامل مع طهران باعتبارها طرفاً بعيداً عن محيطه السياسي والأمني والجغرافي.

ومن هنا، فإن أي مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران أو حلفائهما في المنطقة تضع بغداد أمام ضغوط متزامنة.

فالانحياز الكامل إلى أحد طرفي الصراع قد يضر بمصالح العراق، بينما قد لا يكون الوقوف على مسافة واحدة من الجميع كافياً وحده لمنع تداعيات المواجهة إذا انتقلت إلى الأراضي العراقية.

وهذا يجعل سياسة التوازن العراقية أكثر من مجرد خيار دبلوماسي، فهي محاولة للحفاظ على مساحة للمناورة ومنع البلاد من الانجرار إلى مواجهة لا تخدم مصالحها المباشرة.

وتواجه الحكومة العراقية تحدياً إضافياً يتمثل في تعدد الجماعات والفصائل المسلحة واختلاف مواقعها السياسية والأمنية.

ولا يمكن التعامل مع هذا المشهد باعتباره كتلة واحدة متجانسة، إذ تتباين مواقف هذه الجهات بشأن التطورات الإقليمية، كما تختلف طبيعة علاقاتها بالقوى الخارجية.

وتصبح مهمة الحكومة أكثر تعقيداً عندما تنفذ جهة ما عملية من الأراضي العراقية، ثم تواجه الدولة العراقية نفسها برد عسكري من طرف خارجي.

في هذه الحالة، تجد بغداد نفسها أمام معادلة صعبة من خلال منع استخدام أراضيها للهجمات من جهة، ومنع تحول الردود الخارجية إلى نمط متكرر من جهة أخرى.

وهنا تحديداً تتجاوز القضية حدود الخلاف السياسي، لتصبح مرتبطة بقدرة مؤسسات الدولة على فرض قرارها الأمني داخل الأراضي العراقية.

خطر الانزلاق

التجارب الإقليمية السابقة تشير إلى أن التصعيد العسكري نادراً ما يبقى محصوراً في الحدود التي يبدأ عندها.

فالضربة قد تستدعي رداً، والرد قد يؤدي إلى ضربة جديدة، ومع كل جولة ترتفع احتمالات وقوع خسائر بشرية أو استهداف مواقع إضافية، بما يجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة.

وبالنسبة للعراق، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تحول أراضيه إلى حلقة ضمن هذه السلسلة.

فإذا أصبح العراق منصة لهجوم، ثم هدفاً لرد، فإن البلاد قد تجد نفسها عملياً داخل دائرة الصراع، حتى إذا أعلنت الحكومة أنها لا تريد أن تكون طرفاً فيه.

ولهذا فإن منع منطق الضربة والرد من الاستقرار داخل الساحة العراقية يمثل تحدياً أساسياً أمام الحكومة خلال المرحلة المقبلة.

ولا يمكن فصل التطورات الحالية عن التاريخ الحديث للعراق. فعلى مدى عقود، دفع العراق أثماناً كبيرة نتيجة الحروب والتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، ووجد نفسه في أكثر من مرحلة ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية.

ولهذا فإن أي عودة إلى نمط استخدام الأراضي العراقية في المواجهات الخارجية ستثير مخاوف من إعادة إنتاج مشاهد سبق أن ألحقت أضراراً كبيرة بأمن البلاد واقتصادها واستقرارها السياسي.

كما أن استمرار الضربات والردود قد يفرض على الحكومة التعامل مع تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية في وقت واحد، وهو ما يرفع كلفة أي خطأ في إدارة الأزمة.

ماذا تستطيع بغداد أن تفعل؟

يبدو أن أمام الحكومة العراقية عدة مسارات متوازية، وليس مساراً واحداً.

أولها، التشديد على أن قرار الحرب والسلم واستخدام الأراضي العراقية يجب أن يكون بيد الدولة.

وثانيها، تكثيف الاتصالات مع واشنطن وطهران وبقية الأطراف المؤثرة لمنع تحويل العراق إلى ساحة للمواجهة.

وثالثها، العمل على احتواء أي نشاط مسلح يمكن أن يوفر مبرراً لضرب العراق، بالتوازي مع رفض أي عمليات عسكرية خارجية تستهدف الأراضي العراقية.

لكن نجاح هذه السياسة يتطلب أكثر من الاتصالات الدبلوماسية، إذ يحتاج إلى قدرة فعلية على تنفيذ القرار داخل البلاد، وإلى تفاهم سياسي داخلي يمنح الحكومة مساحة أكبر للتحرك.

الاختبار الحقيقي

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الاختبار الأهم أمام بغداد لا يتعلق فقط بإعلان رفضها استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، وإنما بقدرتها على ترجمة هذا الرفض إلى واقع أمني وسياسي.

فالعراق يقف أمام معادلة دقيقة من خلال الحفاظ على علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية، ومنع تحويل تلك العلاقات إلى مصدر ضغط على أمنه الداخلي، وفي الوقت نفسه تثبيت مبدأ أن الأراضي العراقية ليست مساحة مفتوحة لتبادل الضربات.

وتخلص قراءة وكالة النبأ إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في حادثة عسكرية منفردة، وإنما في تحول الحوادث المتفرقة إلى نمط مستمر من التصعيد يجعل العراق جزءاً ثابتاً من معادلة الصراع الإقليمي.

وعليه، فإن نجاح بغداد في المرحلة المقبلة سيقاس بقدرتها على تحقيق معادلة تبدو شديدة الصعوبة: منع استخدام العراق ضد الآخرين، ومنع الآخرين من تحويل العراق إلى ساحة للردود العسكرية، مع الحفاظ على توازن علاقاته الخارجية.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة العراقية في المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً