تتجه دول متزايدة إلى فرض قيود عمرية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في النظرة الرسمية إلى المنصات الرقمية، من كونها أدوات للتواصل والترفيه إلى بيئة قد تحمل مخاطر تستدعي الحماية والتنظيم، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين.
وتتناول قراءة نشرها نيك مارش، نائب رئيس التحرير في صحيفة "ذا ناشيونال"، ترجمته "وكالة النبأ الخبرية" هذا التحول من زاوية أوسع، متسائلًا عما إذا كان ينبغي للمجتمع أن يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع الأنشطة والمنتجات المرتبطة بالإدمان، مثل الكحول والتبغ والمقامرة.
قيود عمرية تتوسع
وتأتي هذه المناقشة في وقت تتجه فيه دول عدة إلى وضع حدود عمرية لاستخدام منصات التواصل. فقد قررت الإمارات اعتماد حد أدنى يبلغ 15 عامًا لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي اعتبارًا من العام المقبل، فيما كانت أستراليا قد سبقت إلى فرض قيود على من هم دون 16 عامًا.
وفي فرنسا، تتجه السلطات إلى تقييد وصول القاصرين إلى عدد من المنصات الكبرى، بينما تستعد المملكة المتحدة لفرض حظر على استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا. كما ظهرت إجراءات مماثلة في إندونيسيا وماليزيا، وسط تقارير عن دول أخرى تدرس اتخاذ خطوات مشابهة.
وتشير هذه التحركات، بحسب القراءة، إلى تغير في موقف الحكومات من مسؤولية حماية الفئات الأصغر سنًا في البيئة الرقمية، بعدما كانت الرقابة على أعمار المستخدمين تعتمد بدرجة كبيرة على التصريح الذاتي عند التسجيل.
من التواصل إلى اقتصاد الانتباه
ولا تتوقف القضية عند تحديد السن المسموح به، إذ تطرح القراءة سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة وسائل التواصل نفسها.
فالمنصات التي ظهرت في بداياتها كمساحات للتواصل مع الأصدقاء ومتابعة أخبار الآخرين، تحولت تدريجيًا إلى بيئات تعتمد على جذب المستخدم وإبقائه لأطول وقت ممكن. ومع انتشار الهواتف الذكية، لم يعد المستخدم بحاجة إلى البحث عن المحتوى، بل أصبح المحتوى يصل إليه باستمرار عبر الإشعارات والتنبيهات والخلاصات التي لا تنتهي.
وفي هذا السياق، تبرز الخوارزميات باعتبارها عنصرًا أساسيًا في التجربة الرقمية، إذ تتعلم من تفضيلات المستخدم وسلوكه لتقديم محتوى يتناسب مع اهتماماته، بما قد يعزز بقاءه داخل المنصة ومواصلة التفاعل معها.
وتضع القراءة هذه العملية ضمن ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تصبح قدرة المنصة على جذب انتباه المستخدم والحفاظ عليه جزءًا أساسيًا من نموذج عملها.
هل تكفي الرقابة الذاتية؟
وتشير القراءة كذلك إلى أن التعويل على التنظيم الذاتي لشركات التكنولوجيا لم يعد يبدو كافيًا، بعد أن أظهرت المنصات تفاوتًا في قدرتها على التعامل مع المحتوى الضار والمخاوف الاجتماعية المرتبطة بالاستخدام المكثف.
ويرى الكاتب أن تدخل الحكومات عبر تشريعات وضوابط عمرية يمثل عمليًا نهاية مرحلة كان يُفترض فيها أن تتولى شركات التواصل تنظيم نفسها بنفسها.
لكن هذا الاتجاه يفتح في المقابل نقاشًا آخر حول حدود التدخل الحكومي، ومدى قدرة القيود العمرية على معالجة مشكلة أوسع تتعلق بطبيعة تصميم المنصات والخوارزميات وآليات جذب الانتباه.
السؤال الذي يتجاوز عمر المستخدم
وتصل القراءة في جوهرها إلى أن الجدل حول وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد متعلقًا فقط بما إذا كان طفل في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة قادرًا على استخدام منصة معينة، وإنما بات يتعلق بالسؤال عن طبيعة هذه المنصات نفسها.
فإذا كانت الحكومات تنظر بصورة متزايدة إلى العالم الرقمي باعتباره بيئة قد تؤثر في رفاه الشباب وسلوكهم وتركيزهم، فإن النقاش المقبل قد يتجاوز تحديد السن إلى كيفية تنظيم المنصات وآليات عملها، وحجم الوقت الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة.
وبذلك، لا تبدو القيود العمرية سوى بداية لنقاش أوسع حول العلاقة بين التكنولوجيا والصحة الاجتماعية، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تحتاج إلى التعامل معها بوصفها مجرد أدوات رقمية، أم منتجات ذات مخاطر تستوجب مستوى من التنظيم يشبه ذلك المفروض على بعض الأنشطة والمنتجات التي ثبتت أضرارها.
أضف تعليقاً