أوقفت السلطات اللبنانية حاكم مصرف لبنان المركزي السابق رياض سلامة، الجمعة، داخل مستشفى بحنس شمال بيروت، بعد تغيبه عن جلسة قضائية كانت مقررة لاستجوابه، في قضية تتعلق بمخالفات مالية مرتبطة بعمليات للمصرف المركزي وشراء أوراق مالية شملت شركات يمتلك مصرف عودة أسهماً فيها، بحسب متابعة وكالة النبأ.
وكانت القاضية في محكمة التمييز سمرندا نصار قد استدعت سلامة إلى جلسة الخميس، بناءً على شكوى تقدم بها حاكم مصرف لبنان المركزي الحالي كريم سعيد.
وقبل موعد الجلسة، قدم محامي سلامة، وسيم غاوي، عذراً طبياً لعدم حضور موكله، لكن النيابة العامة قالت لاحقاً إنها لم تتمكن من التحقق من دخوله المستشفى، فيما أفادت تقارير بأن طبيبه الخاص لم يتمكن أيضاً من تأكيد وجوده هناك.
وبعد تفتيش الشرطة ثلاثة عناوين معروفة لسلامة، خلص القاضي أحمد رامي الحاج إلى أن الحاكم السابق يرفض المثول أمام القضاء، فأصدر مذكرة بحث وتوقيف بحقه. وبعد ذلك، جرى توقيفه داخل مستشفى بحنس.
وقال المحامي فؤاد دباس، من جمعية المودعين التي تدافع عن الأشخاص الذين فقدوا أموالهم خلال الأزمة المالية اللبنانية، إن سلامة "كان يتهرب من العدالة بطرق عديدة"، معتبراً أن عدداً من المصرفيين الذين أسهموا في الأزمة المالية، التي لا تزال مستمرة، اتخذوا خطوات من شأنها عرقلة أي خطة للتعافي.
وأضاف دباس أن الاختبار الحقيقي سيكون في ما سيحدث لاحقاً، وما إذا كان سلامة سيبقى قيد التوقيف ويواجه المحاكمة.
ولم يتضح ما إذا كان الحاكم السابق سيبقى في المستشفى أو سيتم نقله إلى مكان آخر بقرار من السلطات اللبنانية.
ثلاثة عقود على رأس مصرف لبنان
تولى رياض سلامة منصب حاكم مصرف لبنان لمدة 30 عاماً، بين عامي 1993 و2023، وخلال تلك الفترة كان واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً وقوة في لبنان، كما كان ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز محافظي البنوك المركزية في المنطقة.
لكن سمعته تراجعت بصورة حادة بعد الانهيار المالي الذي ضرب لبنان عام 2019، لتتحول مسيرته إلى محور تحقيقات وملفات قضائية في لبنان ودول أوروبية.
وتعد قضية شركة Forry Associates أبرز هذه الملفات، وهي شركة يسيطر عليها شقيقه رجا سلامة. واتهم مدعون لبنانيون وأوروبيون بتحويل مئات ملايين الدولارات من المصرف المركزي عبر عمولات دفعت إلى الشركة.
كما يواجه سلامة إجراءات قضائية تتعلق بعقارات في فرنسا، من بينها استئجار مصرف لبنان مقراً في شارع الشانزليزيه، ضمن قضية تعرف باسم Optimum Invest.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، صدرت مذكرة توقيف بحق سلامة في القضية على خلفية اتهامات بغسل الأموال والاختلاس والاحتيال خلال الفترة بين عامي 2015 و2018. وفي يوليو/تموز 2025، وُجهت إليه اتهامات رسمية، قبل الإفراج عنه بكفالة بلغت 20 مليون دولار.
وتشمل إمبراطورية عائلة سلامة العقارية في أوروبا قصوراً فاخرة في مناطق من أغلى أحياء عدد من العواصم، إضافة إلى مجموعة من المباني الصناعية والتجارية التي تحقق إيرادات كبيرة من الإيجارات.
وقدرت قيمة تلك الممتلكات بنحو 92 مليون دولار، فيما وضعتها السلطات تحت الحجز.
من حاكم مصرف مركزي بارز إلى متهم في أزمة مالية
كان سلامة طوال ثلاثة عقود من أبرز الشخصيات المؤثرة في لبنان، وتمتع لفترة طويلة بصورة حاكم المصرف المركزي الذي تمكن من الحفاظ على الاستقرار المالي.
لكن هذه الصورة انهارت بعد الأزمة المالية عام 2019، التي ألقت بظلالها على الاقتصاد اللبناني وأدت إلى انهيار واسع في النظام المالي.
واتهم منتقدون سلامة بالمساهمة في صياغة سياسات مالية أسهمت في الوصول إلى الأزمة، فيما حملت الأزمة أيضاً إرثاً طويلاً من الفساد وسوء الإدارة المالية من جانب النخبة اللبنانية، بما في ذلك سلامة.
وغادر سلامة منصبه في يوليو/تموز 2023، بعد سنوات من تصاعد فقدان الثقة به والانتقادات الموجهة إليه، بينما يواصل نفي ارتكاب أي مخالفات.
ويرى دباس أن قضية سلامة، إلى جانب قضايا مصرفيين آخرين مرتبطين بالأزمة، تعكس مشكلة أوسع تتعلق ببطء العدالة والمساءلة في لبنان، قائلاً إن الإجراءات القضائية "بطيئة جداً، إن حدثت أصلاً".
ومع ذلك، اعتبر أن توقيف سلامة لا يمكن اعتباره أمراً سلبياً، حتى لو انتهى الأمر إلى مجرد إجراء شكلي، في ظل ما وصفه بمحدودية الثقة بالقضاء اللبناني وقدرته على تحقيق العدالة والمساءلة في ملفات الأزمة المالية.
أضف تعليقاً