بعد نحو ثلاثة أسابيع من المفاوضات المكثفة، بات اتفاق نزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة أمام مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بكيفية تنفيذه، في ظل اختلاف واضح بشأن ترتيب الخطوات بين نزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وتأتي الصيغة المطروحة في إطار جهود لإعادة خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة إلى مسارها، بعد أشهر من الجمود، فيما تشير المعلومات المنشورة إلى أن الاتفاق يقوم على مبدأ «المعاملة بالمثل»، بحيث تقابل كل خطوة من أحد الطرفين بإجراء مماثل من الطرف الآخر.
وبحسب ما أوردته صحيفة "ذا ناشيونال"، من المقرر عقد اجتماع في القاهرة يضم ممثلين عن حماس والفصائل الفلسطينية المتحالفة معها، إلى جانب وسطاء من مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا، للموافقة رسمياً على الاتفاق.
ولم يتضح ما إذا كانت إسرائيل ستشارك في الاجتماع.
ووصف ترامب الاتفاق بأنه "خطوة هائلة"، فيما رحبت السعودية به باعتباره «إنجازاً هاماً»، في وقت لم يُنشر فيه النص الكامل للاتفاق.
وتكشف المعطيات المنشورة أن الوصول إلى الاتفاق جاء بعد جولات من المفاوضات الشاقة في مصر، شارك فيها وسطاء وخبراء أميركيون، بينما استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وتوسعت السيطرة على مناطق إضافية من القطاع.
صيغة تقوم على "المعاملة بالمثل"
وفق المعلومات التي نقلتها "ذا ناشيونال"، أمضى الوسطاء وقتاً طويلاً في مراجعة مسودة الاتفاق وتعديل صياغاتها وإزالة العبارات التي يمكن أن تفتح المجال أمام تفسيرات متعارضة مع أهداف الوثيقة.
وتقوم الصيغة، بحسب المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، على قاعدة مفادها أن كل خطوة تنفذها حماس تقابلها خطوة مماثلة من إسرائيل، وأن العملية تتوقف إذا لم ينفذ أحد الطرفين التزاماته.
وبموجب الاتفاق، وافقت حماس على تسليم أسلحتها ومنشآتها وقواعدها العسكرية إلى لجنة تضم وسطاء من مصر وقطر وتركيا.
وبحسب خطة ترامب، يفترض أن تسلم هذه اللجنة ما يتم جمعه إلى لجنة معتمدة من الأمم المتحدة تضم خبراء فلسطينيين مستقلين، تكون مهمتها إدارة الشؤون اليومية في قطاع غزة.
لكن حماس تتمسك، وفق المعلومات المنشورة، بأن تبقى السيطرة على أسلحتها ومنشآتها في أيدي الفلسطينيين، كما تطالب بالسماح لقادة جناحها العسكري بالاحتفاظ بالأسلحة النارية، ولا سيما المسدسات، لاستخدامها في الدفاع عن النفس في مواجهة ميليشيات مدعومة من إسرائيل ومعارضة للحركة.
الانسحاب مقابل نزع السلاح
في المقابل، تطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس بالكامل، بما يشمل إزالة الأسلحة من غزة ونزع السلاح في القطاع، باعتبار ذلك شرطاً لانسحاب قواتها.
ونقلت "ذا ناشيونال" عن مصدر سياسي إسرائيلي أن الجيش لن ينسحب من «الخط الأصفر» الحالي ما لم تنفذ حماس «عملية نزع سلاح حقيقية.
وتشير قراءة النبأ للمعطيات المنشورة إلى أن هذه النقطة تمثل العقدة الأساسية في الاتفاق؛ فحماس تربط تسليم سلاحها وانسحابها العسكري بانسحاب القوات الإسرائيلية، في حين تربط إسرائيل انسحاب قواتها بإتمام عملية نزع السلاح.
وبالتالي، فإن آلية «المعاملة بالمثل» تبدو محاولة لتجاوز مشكلة تحديد الطرف الذي يبدأ أولاً، عبر ربط الخطوات ببعضها بدلاً من تنفيذها بصورة منفردة.
ماذا يعني "الخط الأصفر"؟
كان "الخط الأصفر" يفصل القوات الإسرائيلية عن المناطق التي تسيطر عليها حماس عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي.
لكن القوات الإسرائيلية تجاوزت هذا الخط منذ ذلك الحين، وأصبحت تسيطر على أكثر من 60% من قطاع غزة، بعدما كان الخط يمنحها السيطرة على أكثر من 50% من مساحة القطاع.
وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، قتل ما لا يقل عن 1200 فلسطيني في العمليات العسكرية منذ أكتوبر/تشرين الأول.
وتقول المصادر إن حماس لن تسلم أسلحتها أو بنيتها التحتية العسكرية قبل السماح بدخول خبراء فلسطينيين وقوات أمن دولية إلى غزة، وهي ترتيبات كانت مدرجة أيضاً ضمن مقترح ترامب بشأن القطاع.
ترتيبات أمنية وإدارة فلسطينية
وفق التصور المطروح، يفترض أن يؤدي استكمال عملية نزع السلاح إلى انسحاب القوات الإسرائيلية، على أن تتولى قوة استقرار دولية بالتعاون مع قوة شرطة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في غزة.
كما تنص الخطة على انتقال إدارة الشؤون اليومية إلى لجنة تضم خبراء فلسطينيين مستقلين، في إطار تصور أوسع لإعادة بناء القطاع وتشكيل حكومة فلسطينية جديدة.
وقال نيكولاي ملادينوف، مبعوث مجلس السلام التابع لترامب إلى غزة، إن التصور المطروح يفتح الطريق أمام إعادة بناء القطاع وحكمه من جانب الفلسطينيين، إلى جانب أفق سياسي لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ووصف مجلس السلام الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي»، مشيراً إلى أن حماس التزمت للمرة الأولى رسمياً بخطة قابلة للتنفيذ للتخلي عن أسلحتها، على أن يتبع ذلك انسحاب إسرائيلي من غزة.
وقال ترامب إن استكمال نزع السلاح سيؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية، على أن تعمل قوة الاستقرار الدولية مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لتولي مسؤولية أمن القطاع وسكانه وجيرانه.
معارضة داخل إسرائيل
ورغم الترحيب الأميركي وبعض التفاؤل الإقليمي، لا يحظى الاتفاق بتأييد كامل داخل إسرائيل.
وانتقد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير الاتفاق بشدة، رافضاً وقف العمليات ضد حماس أو الدخول في اتفاقات عبر أطراف ثالثة أو وسطاء.
كما قال السياسي المعارض غادي آيزنكوت، الذي يعد من أبرز المرشحين في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، إن أي اتفاق لا يؤدي إلى تدمير القوة العسكرية والسياسية لحماس سيكون «فشلاً تاماً».
وفي الجانب الفلسطيني، قوبل الاتفاق بتفاؤل حذر، إلى جانب تساؤلات بشأن سبب عدم التوصل إلى صيغة مماثلة في وقت سابق، قبل أن تتعرض غزة لدمار واسع خلال الحرب التي استمرت قرابة ثلاث سنوات.
بين الاتفاق والتنفيذ
تظهر قراءة النبأ لمجمل المعطيات المنشورة أن الاتفاق المقترح ينقل المسار من مرحلة التفاوض على المبادئ إلى اختبار أكثر صعوبة يتعلق بآلية التنفيذ.
فالصيغة تجمع بين نزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيلي، ودخول قوات أمن دولية وخبراء فلسطينيين، ثم انتقال إدارة القطاع إلى جهة فلسطينية جديدة.
لكن استمرار التباين بشأن توقيت نزع السلاح والانسحاب، إلى جانب المواقف السياسية المتعارضة داخل إسرائيل وشروط حماس المتعلقة بالأسلحة، يجعل نجاح الاتفاق مرتبطاً بقدرة الوسطاء على وضع تسلسل عملي للخطوات وضمان التزام الأطراف به.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه الاتفاق في مرحلته المقبلة لا يتعلق فقط بما إذا كانت الأطراف قد وافقت على المبادئ العامة، وإنما بما إذا كان بالإمكان تحويل تلك المبادئ إلى إجراءات متبادلة على الأرض، دون أن يؤدي اختلاف شروط البداية إلى إعادة المسار إلى حالة الجمود السابقة.
أضف تعليقاً