شهدت مدينة سبتة المحتلة تدفقاً غير مسبوق لآلاف المهاجرين، بينهم مغاربة وقاصرون ومهاجرون من جنسيات عربية وأفريقية، في محاولة للوصول إلى الأراضي الأوروبية عبر السباحة، وسط استنفار أمني متواصل في مدينة الفنيدق المغربية المحاذية، فيما ارتفعت حصيلة ضحايا موجة الهجرة الجماعية إلى 41 قتيلاً، وفق آخر حصيلة رسمية أعلنتها مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة.
وبينما كان لافتاً، تأكيد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارته لمدينة سبتة اليوم الجمعة، أن تدفق المهاجرين مرتبط بتفسير مضلل روجت له "مافيات" متاجرين بالبشر لحكم قضائي صدر أخيراً، ينص على "عدم إمكان إعادة الأفراد الذين وصلوا إلى إسبانيا بحراً إلى الحدود"
ترى الباحثة في علم الاجتماع خديجة الكورأن" مشاهد مئات الشباب المغاربة وهم يلقون بأنفسهم في عرض البحر، محاولين بلوغ مدينة سبتة المحتلة سباحة، لم تعد مجرد حدث عابر مرتبط بالهجرة غير النظامية، لكنها تحمل، هذه المرة، دلالات أعمق".
وتقول الكور "حين يفضّل جزء من شباب الوطن مواجهة الأمواج، وخطر الغرق أو الترحيل، على البقاء في بلدهم، فإن الأمر يتجاوز البعد الأمني ليصبح مؤشراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يفرض على الجميع أسئلة صريحة حول واقع التنمية وآفاق المستقبل".
وتشير إلى أن المعطيات الرسمية والحقوقية تؤكد أن الأمر لم يعد يتعلق بحوادث معزولة، بل بات اتجاهاً مقلقاً يستوجب قراءة هادئة وعميقة، معتبرة أن فهم هذه الموجة لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فالتوقيت الحالي يرتبط بمجموعة من العناصر المتداخلة، من بينها الظروف الموسمية التي تجعل العبور أكثر سهولة نسبياً، وقرب المسافة بين بعض الشواطئ الشمالية وسبتة، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي حولت تجارب الهجرة إلى صور تنتشر بسرعة، فتخلق لدى البعض انطباعاً بأن الطريق نحو أوروبا أقصر مما هو عليه في الواقع.
وفيما تكشف خريطة القادمين نحو شمال المغرب، أن ظاهرة الهجرة غير النظامية تجاوزت حدود المناطق القريبة من سبتة، تقول الكور إنه حينما تصبح الرغبة في الهجرة موزعة على امتداد التراب الوطني، فإن الأمر لا يعود مجرد قضية مرتبطة بالمجال الجغرافي، بل يصبح مؤشراً على اختلالات أعمق في علاقة الشباب بالفرص المتاحة وبآفاق المستقبل.
وتلفت إلى أن البنية الاجتماعية للمهاجرين تغيرت بدورها، فلم تعد الهجرة غير النظامية مرتبطة فقط بالفئات الأكثر هشاشة، بل أصبحت تشمل شباباً حاصلين على شهادات، وأشخاصاً يتوفرون على مهارات أو تجارب مهنية، لكنهم لا يجدون المسار الذي يسمح لهم بتحويل مؤهلاتهم إلى استقرار اجتماعي واقتصادي، معتبرة أن ذلك يؤكد أن المسألة لا تختزل في الفقر وحده، بل ترتبط أيضاً بالإحساس بانسداد الأفق.
وتقود هذه المعطيات، وفق الباحثة، إلى جوهر الإشكال طبيعة النموذج الاقتصادي وقدرته على خلق فرص فعلية للشباب. فالتقارير الوطنية والدولية تشير إلى استمرار تحديات مرتبطة ببطالة الشباب، وبضعف الإدماج في سوق الشغل، وبالفجوة بين التكوين وفرص العمل المتاحة. كما أن وجود أعداد مهمة من الشباب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل يشكل رصيداً بشرياً معطلاً بدل أن يكون قوة إنتاجية تساهم في بناء المستقبل.
وتضيف:" تبرز هنا مفارقة أساسية يعيشها المغرب اليوم. فمن جهة، هناك أوراش كبرى واستثمارات استراتيجية ومشاريع تنموية مهمة تعكس طموحاً كبيراً، ومن جهة أخرى هناك شباب لا يشعر دائماً بأن هذه الدينامية تنعكس على حياته اليومية. وهنا يظهر ما يسميه علماء الاجتماع بالحرمان النسبي، ليس الفقر وحده هو الذي يولد الإحباط، بل أيضاً الشعور بأن التقدم موجود، لكنه لا يصل إلى الجميع بنفس الدرجة".
وترى أن "ما يحدث في سبتة اليوم ينبغي أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار وطنياً، لا من منطلق التشكيك أو جلد الذات، بل من منطلق المسؤولية الجماعية. فهو يدعونا إلى طرح أسئلة أساسية: هل يوفر النمو الاقتصادي فرصاً كافية ولائقة للشباب؟ هل تصل ثمار التنمية إلى مختلف المجالات الترابية؟ هل يشعر الشباب بأن لديهم مكاناً ودوراً ومستقبلاً داخل وطنهم؟".
وإجمالاً، ترى أن الهجرة غير النظامية ليست مجرد قضية حدود أو أمن، بل هي مرآة لمنسوب الثقة في المستقبل، موضحة أنه حينما يصبح البحر في نظر بعض الشباب أقرب من الوطن، فإن السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بكيفية منع العبور، بل بكيفية جعل البقاء اختياراً حراً ومقنعاً.
وتؤكد أن الرهان الحقيقي ليس فقط أن تتراجع أعداد محاولات الهجرة، بل أن يبني المغرب نموذجاً تنموياً يجعل أبناءه يرون في وطنهم فضاءً لتحقيق الطموح والكرامة، حينها فقط يتحول البحر من طريق للهروب إلى فضاء للتواصل والتنمية، ويصبح الوطن هو الوجهة الأولى للأمل.
وبالنسبة لرئيس مرصد التواصل والهجرة في أمستردام (غير حكومي) جمال الدين ريان، فإن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة المحتلة تعد حدثًا بليغ الدلالة وتطورًا ميدانيًّا يتجاوز نطاق "المحاولة الفردية للعبور ليلامس أبعادًا اجتماعية، واقتصادية، وسياسية حادة". ويعتقد ريان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذه التدفقات المتزايدة (والتي شملت فئات واسعة من الشباب والقاصرين وحتى النساء) تعبر عن ضغط اجتماعي واقتصادي متراكم لدى فئات من الشباب، حيث يُنظر إلى البحر كمنفذ أخير بحثًا عن فرص وآفاق جديدة".
ويعتبر أن هذه المحاولات الميدانية للهجرة تكشف عن الفجوة المستمرة بين البرامج التنموية الموجهة للجماعات الترابية والمناطق الحدودية وبين التطلعات الواقعية للساكنة المحلية، مؤكدا أن أحداث سبتة تؤكد الحاجة الملحة إلى تسريع وتيرة تنمية العمالات والأقاليم الشمالية، وإنشاء مشاريع استثمارية موجهة أساسًا لإدماج الشباب محليًّا وإنعاش الشغل بدلًا من التركيز الصرف على التجهيزات الأساسية.
من جهة أخرى، يرى أن الأزمة تظهر كيف أن التعاون الأمني وحده – رغم التنسيق والدوريات المشتركة وإحباط مئات المحاولات – يبدو غير كافٍ لمعالجة تدفقات مدفوعة بدوافع اجتماعية واقتصادية هيكلية، مما يستوجب تعميق المقاربة الإنسانية والشاملة.
وبحسب المصدر ذاته، تضع هذه الموجة الجديدة للهجرة المؤسسات والجماعات الترابية أمام مسؤولية المباشرة والميدانية للتعاطي مع انتظارات الشباب، والتواصل الفعال معهم، وصياغة حلول محلية تقلل من جاذبية خيار "الهجرة غير النظامية". كذلك تفرض الأحداث ضغوطًا سياسية وإدارية واسعة داخل إسبانيا، خاصة في إدارة ملف القاصرين والقدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء، مما قد ينعكس على شكل مطالبات لتعزيز الدعم المالي والأمني من الاتحاد الأوروبي.
س ع
أضف تعليقاً