يرى المؤرخ والكاتب السياسي تيموثي غارتون آش أن الولايات المتحدة تقف أمام اختبار سياسي حاسم مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، معتبراً أن تحقيق الديمقراطيين فوزاً كبيراً على الرئيس دونالد ترامب قد يكون ضرورياً لبدء وقف ما يصفه بالتراجع السريع والمتعمد للديمقراطية الأمريكية.
ويستند غارتون آش، في مقال نشرته "الغارديان"، وترجمته "وكالة النبأ الخبرية" إلى تقرير معهد "أنواع الديمقراطية" (V-Dem) التابع لجامعة غوتنبرغ، الذي يقول إن الولايات المتحدة شهدت خلال عام 2025 أحد أسرع التراجعات المسجلة في الديمقراطية الليبرالية، فيما خلص تقرير المعهد لعام 2026 إلى أن الديمقراطية الأمريكية وصلت إلى أسوأ مستوياتها منذ 60 عاماً.
توسع في السلطة التنفيذية
ويربط الكاتب هذا التراجع بما يراه توسعاً في استخدام السلطة التنفيذية خلال ولاية ترامب. ووفق أرقام V-Dem، أصدر ترامب في عام 2025 ما لا يقل عن 225 أمراً تنفيذياً، بينما أقر الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون 49 قانوناً فقط، كان معظمها متعلقاً بقضايا محدودة.
ويشير غارتون آش كذلك إلى «مشروع 2025» التابع لمؤسسة هيريتيج، والذي يستهدف تعزيز ما يعرف بـ"نظرية السلطة التنفيذية الموحدة". ووفق المؤشر الخاص بالمشروع، فقد تجاوز إنجاز أكثر من نصف أهدافه، مع استفادته من أحكام صادرة عن المحكمة العليا.
الانتخابات في قلب المواجهة
يضع الكاتب الانتخابات المقبلة في صلب مخاوفه، معتبراً أن التلاعب بنتائجها أو قواعدها يمثل خطوة أساسية لأي حاكم يسعى إلى توسيع سلطته.
ويشير إلى إعادة رسم الدوائر الانتخابية على أسس حزبية، فضلاً عن محاولات يرى أنها قد تقيد تصويت فئات تميل إلى الديمقراطيين، من خلال الحد من التصويت عبر البريد، أو المطالبة بإثبات فوري للجنسية الأمريكية، إلى جانب وسائل قانونية وإجرائية أخرى.
ويحذر غارتون آش من أنه إذا جاءت نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني متقاربة في عدد من الدوائر التي قد تحسم السيطرة على مجلس النواب، فقد يسعى ترامب والجمهوريون إلى الطعن في فوز مرشحين ديمقراطيين أو استبعادهم.
ولهذا السبب، يرى الكاتب أن الديمقراطيين بحاجة إلى فوز واسع يصعب التشكيك فيه، مستشهداً بتجربة المجر هذا الربيع، عندما تمكن النفور الشعبي الواسع من الحكومة، مع ارتفاع المشاركة الانتخابية، من تجاوز العقبات التي واجهتها المعارضة.
سياسات ترامب قد تتحول إلى عبء انتخابي
ويعتقد غارتون آش أن ترامب نفسه قد يكون أحد أبرز العوامل التي تساعد الديمقراطيين على تحقيق النتيجة التي يسعون إليها.
فبعد حملة انتخابية ركزت على القضايا المعيشية للأمريكيين، يرى الكاتب أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، إلى جانب الحرب التي اختار خوضها في الشرق الأوسط، أسهمت في زيادة تكاليف المعيشة، وظهر ذلك بصورة واضحة في أسعار الوقود.
وفي ما يتعلق بالحرب على إيران، يشير المقال إلى أنها كلفت، وفق الأرقام الرسمية، 37.5 مليار دولار، فيما طلبت الإدارة الجديدة 67.1 مليار دولار إضافية لهذا الغرض.
ويضيف غارتون آش أن المعارضة الشعبية للحرب تقترب من 60% في استطلاعات الرأي، وهي نسبة تقترب أيضاً من مستوى عدم الرضا عن الرئيس.
كما يربط الكاتب بين تراجع شعبية ترامب وما يصفه بالفساد داخل إدارته، مشيراً إلى تقدير يفيد بأن الرئيس وعائلته حققوا مكاسب تقدر بنحو ملياري دولار.
ويستشهد كذلك بخطة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، جياني إنفانتينو، المقرب من ترامب، لبيع حصص في إدارة كأس العالم إلى صندوق استثماري يقوده جوشوا كوشنر، شقيق زوج ابنة ترامب إيفانكا.
الديمقراطيون أمام فرصة بلا قيادة واضحة
ويرى غارتون آش أن الظروف الحالية تمنح الديمقراطيين فرصة كبيرة، لكنه يتساءل في الوقت ذاته عن غياب الشخصية القادرة على تحويل هذا الاستياء إلى حملة انتخابية وطنية فعالة.
ويستحضر الكاتب تجربة المعارضة في المجر، ممثلة ببيتر ماغيار، الذي يقود، وفق وصفه، حملة وطنية منضبطة وفعالة تستثمر الشعور الشعبي بالحاجة إلى التغيير.
كما يعود إلى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عام 1994، عندما ساهم «عقد مع أمريكا» الذي طرحه زعيم الأقلية في مجلس النواب آنذاك نيوت غينغريتش في بناء حملة وطنية ساعدت الجمهوريين على تحقيق فوز كبير.
لكن الكاتب يشير إلى أن انتخابات التجديد النصفي عادة ما تكون بمثابة استفتاء على الرئيس وحزبه، وغالباً ما يخسر الحزب الحاكم عدداً من المقاعد، خصوصاً في مجلس النواب.
وتظهر نتائج الانتخابات منذ الحرب العالمية الثانية تفاوتاً كبيراً في حجم الخسائر؛ فقد خسر الحزب الحاكم 54 مقعداً في مجلس النواب عام 1994 و63 مقعداً عام 2010، مقابل خمسة مقاعد فقط عام 1986 وتسعة مقاعد عام 2022.
ويرى غارتون آش أن نتيجة محدودة هذه المرة قد تكون عرضة لطعون شديدة، وربما عنيفة، بعد الانتخابات.
أزمة في قيادة المعارضة
ولا يتوقع الكاتب ظهور قائد معارض موحد على غرار بيتر ماغيار في النظام السياسي الأمريكي قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2028، لكنه ينتقد في الوقت ذاته أداء الديمقراطيين في استثمار الفرصة المتاحة.
ويشير إلى زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، البالغ 75 عاماً، باعتباره شخصية لا تحظى بشعبية كبيرة، بينما يتركز جزء من الحماس السياسي داخل الحزب لدى الديمقراطيين الاشتراكيين، ومن بينهم عمدة نيويورك زهران مامداني.
لكن غارتون آش يطرح تساؤلاً حول قدرة هذا التيار على الفوز في ولايات مثل ميشيغان وويسكونسن.
وينقل الكاتب عن فكرة طرحها كاتب العمود في «نيويورك تايمز» ومقدم البودكاست إزرا كلاين أن تنوع المرشحين الديمقراطيين قد يتحول إلى نقطة قوة، بحيث يختار الحزب نوعاً مختلفاً من المرشحين وفق طبيعة كل ولاية.
ومع ذلك، يرى غارتون آش أن اختيار المرشح الخطأ في مقعدين فقط من أصل 35 مقعداً في مجلس الشيوخ المتنافس عليها هذه المرة قد يكلف الديمقراطيين فرصتهم المحدودة أصلاً في قلب موازين القوى داخل المجلس.
الرهان يتجاوز الحزبين
ويخلص غارتون آش إلى أن المعركة المقبلة، من وجهة نظره، لا تتعلق بمستقبل الحزب الديمقراطي وحده، بل بمستقبل الديمقراطية الأمريكية.
ويرى أن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب تمثل الحد الأدنى اللازم لبدء كبح، وربما عكس، ما يصفه بالتراجع غير المسبوق للديمقراطية الليبرالية في عهد ترامب.
ويستند ذلك، بحسب الكاتب، إلى الصلاحيات الدستورية التي يمتلكها الكونغرس في مراقبة تمويل الحكومة، وإجراء التحقيقات، وممارسة إجراءات العزل.
أما إذا حقق الديمقراطيون فوزاً ساحقاً، فيعتقد غارتون آش أن التأثير سيكون أوسع من الجانب السياسي، إذ قد يؤدي إلى تحول نفسي يجعل ترامب يبدو، بحسب تعبيره، "خاسراً".
وفي المقابل، يتوقع الكاتب أن يحاول ترامب منع مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ثم الالتفاف عليه والطعن في شرعيته بكل الوسائل المتاحة.
ويختتم غارتون آش بالإشارة إلى أنه كتب في الصيف الماضي أن أمام الأمريكيين 400 يوم لإنقاذ ديمقراطيتهم، فيما لم يتبق الآن سوى ما يزيد قليلاً على 90 يوماً.
الرأي والتحليل
أقل من 100 يوم.. هل يستطيع الديمقراطيون وقف تآكل الديمقراطية الأمريكية؟
الوسوم
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً