بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العالم

حرب إيران تستنزف الترسانة الأميركية وتعيد حسابات الردع أمام روسيا والصين

وضعت الحرب الأميركية مع إيران قدرة واشنطن على خوض أزمات متزامنة في أكثر من جبهة تحت الاختبار، بعدما استهلكت العمليات العسكرية كميات كبيرة من الصواريخ الهجومية والاعتراضية، ودفعت الجيش الأميركي إلى إعادة توزيع بعض قدراته من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط.
وأثار حجم الاستهلاك المتسارع للذخائر نقاشاً متزايداً داخل الولايات المتحدة بشأن ما إذا كانت الحرب الطويلة قد تؤثر في قدرة واشنطن على ردع روسيا في أوروبا والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خصوصاً إذا اندلعت أزمة جديدة قبل استكمال إعادة بناء المخزونات.
وأفادت رويترز بأن القوات الأميركية استهلكت تقريباً كامل مخزونها من بعض الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى خلال الحرب المستمرة منذ خمسة أشهر، إضافة إلى نحو 65 بالمئة من صواريخ باتريوت الاعتراضية و38 بالمئة على الأقل من صواريخ ثاد، فيما استُخدم ما يقل قليلاً عن نصف المخزون العالمي الأميركي من صواريخ توماهوك.
ولا تعني هذه الأرقام أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها العسكرية أو أصبحت غير قادرة على تنفيذ عمليات جديدة، لكنها تكشف حجم الضغط الذي تتعرض له منظومة إنتاج الذخائر الأميركية عندما تتطلب مواجهة واحدة استخدام كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة خلال فترة قصيرة.
وتزداد حساسية هذه المسألة لأن كثيراً من الصواريخ المستخدمة في الحرب مع إيران يدخل أيضاً ضمن الخطط العسكرية الأميركية في سيناريوهات أخرى، سواء للدفاع عن القوات والحلفاء في أوروبا أو مواجهة تهديدات صاروخية محتملة في آسيا.
ويعد نظام باتريوت مثالاً واضحاً على هذه المعضلة. فقد أصبح أحد أكثر أنظمة الدفاع الجوي طلباً في العالم بسبب الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، بينما تراجعت المخزونات الأميركية بصورة حادة خلال الأشهر الماضية. وقالت رويترز إن المخزون الأميركي الحالي من صواريخ باتريوت يقل عن ألف صاروخ، في ظل سباق لزيادة الإنتاج.
ويمثل ذلك تحدياً لواشنطن لأنها لا تحتاج فقط إلى تعويض ما استخدمته قواتها، بل تواجه أيضاً التزامات تجاه حلفائها الذين يعتمدون على الأنظمة الأميركية في الدفاع الجوي.
وفي أوكرانيا، برزت آثار هذا الضغط مع استمرار حاجة كييف إلى صواريخ باتريوت لاعتراض الهجمات الروسية، بينما أصبحت الأولوية الأميركية موزعة بين متطلبات الحرب في الشرق الأوسط ودعم الحلفاء الأوروبيين والمحافظة على الاحتياطيات اللازمة لأي أزمة مستقبلية.
وفي آسيا، تحمل القضية بعداً استراتيجياً أكبر، إذ تعتمد خطط الردع الأميركية تجاه الصين على القدرة على إبقاء قوات وذخائر كافية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وكانت الولايات المتحدة قد ناقشت خلال الحرب نقل بعض صواريخ باتريوت المنتشرة في كوريا الجنوبية إلى منطقة العمليات المرتبطة بإيران، في خطوة أثارت نقاشاً حول تأثير إعادة توزيع القدرات على الالتزامات الأميركية في آسيا.
ولا يقتصر الأمر على الدفاع الجوي. فالصواريخ الدقيقة بعيدة المدى مثل "أتاكمز" و"برسم" تعد جزءاً أساسياً من قدرة الجيش الأميركي على ضرب أهداف بعيدة من دون تعريض الطائرات والأطقم لمخاطر أكبر.
وأظهرت الحرب مع إيران أن استهلاك هذه الأسلحة قد يفوق سرعة خطوط الإنتاج، وهي مشكلة تواجهها الصناعات الدفاعية الغربية منذ سنوات، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً مع تعدد الصراعات والطلب المتزامن على الأنظمة نفسها.
كما استُخدمت أعداد كبيرة من صواريخ توماهوك، التي تطلق عادة من السفن والغواصات لضرب أهداف محمية من مسافات بعيدة. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى إطلاق أكثر من 850 صاروخاً من هذا النوع خلال الأسابيع الأولى من الحرب، قبل أن يتواصل استخدامها لاحقاً.
وتحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب معالجة المشكلة من خلال الضغط على شركات الصناعات الدفاعية لزيادة الإنتاج وتوسيع المصانع.
وأبرمت وزارة الدفاع الأميركية اتفاقات بأكثر من ثلاثة مليارات دولار لزيادة إنتاج مكونات صواريخ باتريوت وثاد، تستهدف مضاعفة الطاقة الإنتاجية عدة مرات، كما تعمل على زيادة إنتاج توماهوك بصورة كبيرة.
كما منح الجيش الأميركي شركة لوكهيد مارتن عقداً قد تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ باتريوت PAC-3 على مدى عدة سنوات، ضمن جهود لتوسيع قاعدة الإنتاج واستعادة المخزونات.
لكن زيادة الإنتاج لا تعني أن النقص يمكن تعويضه سريعاً.
فصناعة الصواريخ الحديثة تعتمد على خطوط إنتاج معقدة ومئات الموردين ومكونات إلكترونية ومحركات ومواد متخصصة، ما يجعل توسيع القدرة التصنيعية عملية تحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة.
وهنا تكمن المخاوف الاستراتيجية التي تتجاوز الحرب مع إيران نفسها.
فإذا احتاجت الولايات المتحدة إلى سنوات لإعادة بناء أجزاء من ترسانتها، قد يواجه مخططو الدفاع فترة يصبح خلالها هامش المناورة أقل مما كان عليه قبل الحرب، في وقت تراقب فيه روسيا والصين القدرات الأميركية ومعدلات الإنتاج والانتشار العسكري.
ولا توجد مؤشرات علنية على أن موسكو أو بكين تستعدان لاستغلال هذا الوضع عسكرياً، لكن الخبراء العسكريين عادة ما ينظرون إلى المخزونات والجاهزية الصناعية بوصفهما جزءاً أساسياً من حسابات الردع.
فالردع لا يعتمد فقط على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، بل على قدرة الدولة على مواصلة استخدامها في حرب طويلة وتعويض الخسائر بوتيرة كافية.
وتعترف إدارة ترامب بوجود ضغط على بعض أنواع الذخائر، لكنها ترفض توصيف الوضع باعتباره أزمة في القدرة العسكرية.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة تمتلك ذخائر أكثر من أي دولة أخرى وإن شركات الدفاع تعمل على زيادة الإنتاج، بينما أكد متحدث باسم وزارة الدفاع أن الجيش الأميركي يمتلك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهام التي يأمر بها الرئيس.
وقال ترامب الأسبوع الماضي إن بعض أنواع الأسلحة باتت أقل توافراً، لكنه أبدى ثقته بقدرة الصناعة الدفاعية على تسريع الإنتاج.
وتضع هذه التطورات الولايات المتحدة أمام معادلة تتجاوز السؤال عن عدد الصواريخ المتبقية.
فالاختبار الحقيقي يتعلق بقدرة أكبر قوة عسكرية في العالم على الاحتفاظ بمستوى كاف من الردع في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا في وقت واحد، في ظل صراعات تستنزف أنواعاً متشابهة من الذخائر.
وقد كشفت حرب إيران عن جانب كان أقل وضوحاً في العقود الماضية: التفوق العسكري لا يعتمد فقط على نوعية السلاح، وإنما أيضاً على قدرة المصانع وسلاسل التوريد على إنتاجه بالسرعة التي تستهلكه بها الحروب الحديثة.
وبالنسبة لروسيا والصين، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال قادرة على القتال، إذ لا شك في أنها تحتفظ بقدرات عسكرية هائلة، بل مقدار الكلفة والوقت اللازمين لواشنطن إذا اضطرت إلى التعامل مع أزمة كبرى ثانية قبل استعادة مخزوناتها.
وهذا ما يجعل استمرار الحرب مع إيران أكثر من مجرد صراع في الشرق الأوسط، إذ تحول إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة على توزيع قوتها بين ثلاث ساحات استراتيجية، ولقدرة صناعتها الدفاعية على مواكبة حرب طويلة لم تُبنَ كثير من خطوط إنتاجها لمواجهة معدل استهلاكها الحالي.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً