وسّعت إيران خلال الأشهر الأخيرة نطاق عملياتها السيبرانية بالتوازي مع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، محولة الفضاء الإلكتروني من أداة لتنفيذ هجمات محدودة إلى جبهة مساندة بصورة مباشرة لعملياتها العسكرية والاستخبارية.
وبحسب تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، وترجمته وكالة النبأ، فإن النشاط السيبراني الإيراني شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأربعة إلى الستة الماضية، مع إعادة توجيه جزء من القدرات الإلكترونية الإيرانية لدعم أهداف طهران في الحرب.
ويقول التقرير، الذي أعدته الباحثة في المركز نيكيتا شاه، إن النشاط الإيراني شمل التجسس السيبراني، وإنشاء منافذ تقنية داخل الشبكات المستهدفة، وعمليات التعطيل الإلكتروني، والحملات المعلوماتية المدعومة بالاختراقات، إلى جانب استخدام برامج التجسس والجرائم الإلكترونية المرتبطة بالحرب.
وفي المراحل الأولى من الصراع، اتسم جانب من النشاط الإيراني بما يصفه التقرير بـ"التعطيل الانتهازي"، إذ استغل مشغّلون إيرانيون منافذ إلكترونية سبق الوصول إليها لتنفيذ عمليات سريعة ضد أهداف ذات حماية ضعيفة، بالتوازي مع هجمات نفذتها مجموعات ناشطة إلكترونياً.
لكن هذا النمط تطور لاحقاً نحو عمليات أكثر ارتباطاً بأهداف الحرب، ولا سيما في مجال التجسس وجمع المعلومات.
ويشير التقرير إلى أن إيران استهدفت قطاعات الطيران والفضاء والصناعات الدفاعية والاتصالات والأقمار الصناعية، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالبنية الصناعية والتكنولوجية الداعمة للعمليات العسكرية.
كما تحدث عن اختراق كاميرات أمنية في دول مختلفة بهدف جمع معلومات يمكن استخدامها في تقييم نتائج بعض الهجمات أو دعم عمليات لاحقة.
ويرى المركز أن النشاط السيبراني الإيراني لا يستهدف إحداث أضرار تقنية فحسب، بل أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع للحرب المعلوماتية، تسعى من خلالها طهران إلى إظهار قدرتها على الوصول إلى أهداف خارج حدودها والتأثير في البيئة المحيطة بالصراع.
وشملت العمليات، بحسب التقرير، استهداف أنظمة حكومية محلية ومنشآت ومحطات وقود ومرافق مياه داخل الولايات المتحدة، إلى جانب هجمات إلكترونية نفذتها مجموعات مؤيدة لإيران ضد مؤسسات في الشرق الأوسط.
ويشير التقرير إلى أن الهجمات الأخيرة التي طالت مرافق مياه في عدد من الولايات الأميركية لم تُنسب بصورة مؤكدة حتى الآن إلى إيران، رغم وجود مؤشرات أثارت الشبهات بشأن ضلوع جهات إلكترونية إيرانية فيها.
ويولي التقرير اهتماماً متزايداً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في النشاط السيبراني الإيراني، مشيراً إلى توظيفه في مراحل مختلفة تشمل استطلاع الأهداف وكتابة الأكواد وتطوير البرمجيات والهندسة الاجتماعية وصناعة المحتوى والتلاعب به.
وبحسب التحليل، لم يغير الذكاء الاصطناعي المنطق الاستراتيجي الذي يحكم العمليات الإيرانية بقدر ما منحها قدرة أكبر على السرعة والتوسع والوصول والتأثير.
ورغم زيادة النشاط، يرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن إيران لا تزال تعمل ضمن حدود معينة، وأن عملياتها الحالية تحمل أوجه شبه كبيرة مع الأساليب التي اتبعتها خلال حرب الأيام الـ12 مع إسرائيل في 2025.
فالأهداف لا تزال متقاربة، وتشمل الصناعات الدفاعية والبنية التحتية وقطاعات الفضاء والأقمار الصناعية وشخصيات بارزة، فيما يستمر الاعتماد على جهات حكومية ومجموعات ناشطة إلكترونياً، مع استخدام التجسس واختراق الكاميرات والعمليات محدودة التعقيد والحرب المعلوماتية.
ويضع التقرير هذه الأنشطة ضمن ما يصفه بـ"التصعيد المُعاير" في العقيدة العسكرية الإيرانية، أي استخدام أدوات تزيد الضغط على الخصوم وتوسع نطاق المواجهة من دون الوصول بالضرورة إلى مستوى الحرب الشاملة.
وإذا ثبتت مسؤولية إيران عن الهجمات الأخيرة على مرافق المياه الأميركية، يرى التقرير أنه يمكن فهمها في إطار "الاستهداف الانتهازي"، الذي يفرض كلفة على الخصم من دون بلوغ مستوى التصعيد المرتبط بالهجمات العسكرية المباشرة.
لكن قدرة طهران على إدارة هذه الجبهة تواجه قيوداً هي الأخرى.
ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا، وفق تقارير سابقة، مقر قيادة الحرب الإلكترونية والمعلوماتية التابع للحرس الثوري في مرحلة مبكرة من الحرب، بالتزامن مع قطع إيران أجزاء من شبكة الإنترنت المحلية، ما أعاق قدرتها على تنفيذ بعض العمليات.
ومع ذلك، فإن تصاعد النشاط خلال الأشهر الأخيرة يشير، وفق المركز، إلى أن قسماً أكبر من المنظومة السيبرانية الإيرانية لا يزال متصلاً بالشبكة وقادراً على العمل مقارنة بما كان يُعتقد في بداية الحرب.
ويربط التقرير ذلك جزئياً بنظام الإنترنت الإيراني "ذي المستويين"، الذي يوفر بنية موازية تسمح للنخب والجهات الحكومية بالاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى الإنترنت حتى عندما تتعرض الاتصالات المحلية للقطع، فضلاً عن مؤشرات على استخدام اتصالات عبر الأقمار الصناعية.
وفي المقابل، استهدفت ضربات أميركية البنية التحتية للاتصالات الإيرانية منذ بداية الصراع، بينها هجوم في يوليو/تموز أدى، وفق التقرير، إلى تدمير نحو 100 برج اتصالات وتعطيل خدمات الإنترنت في جنوب إيران.
ويرى المركز أن الأضرار التي تلحق بالبنية الرقمية الإيرانية ستظل عاملاً مقيداً لقدرة طهران على تنفيذ عمليات واسعة في الفضاء الإلكتروني.
ويخلص التقرير إلى أن القدرات السيبرانية أصبحت أداة مهمة، وإن كانت ثانوية مقارنة بأدوات القوة الأخرى، في الاستراتيجية الإيرانية، إذ تستخدمها طهران لجمع المعلومات وتعزيز عملياتها الأخرى والتأثير في البيئة المعلوماتية المحيطة بالحرب.
كما يرجح أن تعمل الجهات السيبرانية الإيرانية على إعداد منافذ وقدرات إلكترونية جديدة يمكن استخدامها إذا طال أمد الصراع أو تعثرت المفاوضات، ما يعني أن انتهاء العمليات العسكرية وحده قد لا يكون كافياً لإنهاء المواجهة الدائرة خلف الشاشات.
المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)
ترجمة وتحرير: وكالة النبأ
أضف تعليقاً