تسعى كندا إلى إعادة رسم علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية عبر الأطلسي وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، مع بحث صيغة غير مسبوقة تمنحها ارتباطاً أعمق بالاتحاد الأوروبي، في ظل تعثر المحادثات التجارية مع واشنطن وتصاعد الحرب التجارية بين البلدين.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، وترجمته وكالة النبأ، ان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أجرى خلال الأشهر الماضية سلسلة محادثات خاصة مع قادة أوروبيين، في إطار مسعى لدمج كندا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 41 مليون نسمة، بصورة أوسع في المنظومة الاقتصادية والاستراتيجية الأوروبية.
وشملت اتصالات كارني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى جانب قادة في النرويج وفنلندا ودول أوروبية أخرى، مع التركيز على بناء علاقة تتجاوز أطر التجارة التقليدية.
"عضو منتسب".. علاقة أوروبية من نوع جديد
وتبحث أوتاوا وبروكسل، وفق الصحيفة، أفكاراً لإنشاء صيغة تعاون جديدة لا تصل إلى حد العضوية الكاملة لكندا في الاتحاد الأوروبي، ومن بينها منحها وضعاً أشبه بـ"عضو منتسب".
وقد تفتح هذه الصيغة المجال أمام تكامل أكبر في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وأشباه الموصلات والدفاع، وهي قطاعات باتت تحظى بأهمية متزايدة مع تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
وتشمل الأفكار المطروحة أيضاً تسهيل حركة السلع والخدمات والعمال في قطاعات محددة، فضلاً عن بحث إمكانية منح الكنديين تسهيلات أوسع للعيش والعمل في أوروبا.
كما تمتد خطط التعاون إلى مشروعات البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الكابلات البحرية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأقمار الصناعية.
الطاقة في قلب التقارب
وتسعى كندا إلى تطوير البنية التحتية التي تمكنها من زيادة صادرات الغاز والأسمدة إلى أوروبا، بما يساعد القارة على تنويع مصادر إمداداتها وتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.
وتبحث أوتاوا مع شركائها الأوروبيين كذلك تعزيز التعاون في منطقة القطب الشمالي وتطوير مسارات جديدة لنقل البضائع، في وقت تتزايد فيه الأهمية الاقتصادية والأمنية للمنطقة.
ويمتد التقارب إلى التعليم والبحث العلمي، إذ تسعى كندا إلى المشاركة في برامج التبادل الطلابي الأوروبية وتعميق التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث على جانبي الأطلسي.
ثلثا الصادرات الكندية تتجه إلى أميركا
لكن إعادة توجيه الاقتصاد الكندي تواجه عقبة كبيرة تتمثل في حجم الارتباط التاريخي بالسوق الأميركية، إذ تذهب نحو ثلثي صادرات كندا إلى الولايات المتحدة.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، قد لا يكون الاقتصاد الأوروبي قادراً على استيعاب حجم التجارة التي تربط كندا بالولايات المتحدة، ما يجعل تقليل الاعتماد على السوق الأميركية عملية طويلة ومعقدة وليس تحولاً سريعاً.
كما تواجه الخطط عقبات مؤسساتية داخل أوروبا، إذ لم تستكمل جميع دول الاتحاد الأوروبي حتى الآن التصديق على اتفاقية التجارة القائمة بين كندا والتكتل.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن التقارب مع أوتاوا يمكن أن يتحول إلى اختبار لنموذج جديد من العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والدول الديمقراطية الواقعة خارجه، فيما يخشى آخرون من أن تستخدم كندا انفتاحها على أوروبا ورقة ضغط في مفاوضاتها مع واشنطن.
من دولة أميركية شمالية إلى قوة عبر الأطلسي
ويمثل التحول الذي يقوده كارني محاولة لإعادة النظر في مسار اقتصادي استمر عقوداً، إذ كانت الروابط الكندية مع أوروبا أكثر قوة قبل الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتحول مركز الثقل الاقتصادي تدريجياً نحو الولايات المتحدة.
وتعمق هذا الارتباط لاحقاً عبر اتفاقيات التجارة الحرة في أميركا الشمالية، التي جعلت الاقتصادين الكندي والأميركي شديدي الترابط.
لكن كارني يرى أن التغييرات التي طرأت على السياسة الأميركية ليست مؤقتة، ووصف ما تواجهه العلاقات بين البلدين بأنها "قطيعة وليست مرحلة انتقالية"، في إشارة إلى اعتقاده بأن أوتاوا بحاجة إلى استراتيجية طويلة الأمد لتنويع علاقاتها الاقتصادية.
25 مليار دولار لغواصات ألمانية
ولا يقتصر التحول على التجارة والاستثمار، إذ تعمل كندا على توسيع تعاونها الدفاعي مع أوروبا وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا والمعدات العسكرية الأميركية.
ومن أبرز الملفات التي تجري مناقشتها مفاوضات بشأن شراء غواصات ألمانية قد تصل قيمتها إلى 25 مليار دولار، في مؤشر على اتساع البعد الأمني في التقارب بين كندا وأوروبا.
وتشير التحركات، وفق "وول ستريت جورنال"، إلى محاولة كندية لإعادة تعريف موقع البلاد الاستراتيجي، من دولة يتركز ثقل علاقاتها داخل أميركا الشمالية إلى دولة ذات امتداد عابر للأطلسي.
ولخص مسؤول كندي هذا التوجه بالقول إن بلاده تنتقل من النظر إلى نفسها باعتبارها دولة في أميركا الشمالية إلى دولة "عابرة للمحيط الأطلسي"، في تحول يستهدف بناء شراكة أكثر عمقاً مع أوروبا من دون الوصول، حتى الآن، إلى قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة.
أضف تعليقاً