د. مظهر محمد صالح
ليست الفلسفة تاريخًا للأجوبة بقدر ما هي تاريخٌ للأسئلة الكبرى التي ظل الإنسان يطرحها على نفسه: ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا في عالم لا يكف عن التغير؟ وما الذي ينبغي أن يتغير كي لا يتحول الثبات إلى جمود؟
منذ هيراقليطس، الذي رأى الوجود في حركة دائمة، وبارمنيدس الذي ردّ الوجود إلى الثبات، ظل الفكر الإنساني أسير هذه الثنائية. وقد اتخذت لاحقًا صورًا متعددة في فلسفات أفلاطون وأرسطو، وفي الفكر الإسلامي، ثم في الفلسفات الحديثة والوجودية والبراغماتية. غير أن التجربة الإنسانية أظهرت أن الثبات المنفصل عن الواقع قد ينتهي إلى الجمود، كما أن الحركة المنفصلة عن المرجعية قد تنتهي إلى النسبية وفقدان البوصلة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز الثنائية، لا بإلغاء أحد طرفيها، وإنما بتركيب العلاقة بينهما: ثباتٌ في القيم والغايات، وحركةٌ في الوسائل والمواقف والقرارات، ووعيٌ قادر على التمييز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما ينبغي تغييره.
في هذا السياق تكتسب الفلسفة الموقفية أهميتها، فالموقف ليس مجرد استجابة لظرف عابر، بل هو نقطة التقاء بين المبدأ والواقع، وبين الوعي والقرار، وبين القيم ومتطلبات الفعل. وفي الموقف تُختبر الأفكار، وفي القرار تتجسد القيم، وفي الممارسة تتحول الحكمة من معرفة مجردة إلى قوة فاعلة في الحياة.
ومن هذه الزاوية يمكن استحضار بعض التجارب الفكرية في التراث الإسلامي، ومنها تجربة الإمام جعفر الصادق، لا بوصفها انتماءً تاريخيًا إلى مفهوم «الفلسفة الموقفية المستدامة»، وإنما بوصفها نموذجًا تحليليًا للتفاعل بين ثبات القيم ومرونة الوسائل، وبين المعرفة والعمل، وبين الحكمة والسياق.
ومن هنا أخذني كتاب «تفلسف خارج الفلسفة: السبيل إلى الفلسفة الموقفية المستدامة» للمفكر الإنساني والاستراتيجي الدكتور عقيل الخزعلي إلى سؤال يتجاوز حدود الكتاب ذاته: هل يمكن بناء فلسفة لا تستسلم لجمود الثبات ولا لفوضى التغير، وإنما تجعل من التفاعل بينهما مصدرًا لاستدامة الإنسان والمعنى؟
ولعل الكتاب يمثل، إن جاز التعبير، «عضلة الحكمة» وبيانها التأسيسي لفلسفة موقفية مستدامة في مواجهة الاستباحة والانطفاء، فالاستباحة تبدأ حين تصبح القيم والهوية والإرادة قابلة للاختراق، والانطفاء يحدث حين يفقد الإنسان قدرته على إنتاج المعنى والمشاركة في صناعة العالم. ومن خلال القراءة الأولية، يبدو أن مشروع الدكتور عقيل الخزعلي يحاول بناء منطقة ثالثة بين الفلسفة الساكنة والفلسفة الديناميكية ، منطقة يكون فيها الثبات جذرًا، والحركة حياةً، والوعي جسرًا بينهما.
وهنا تكمن خصوصية الفكرة: الثبات ليس أن نبقى في المكان نفسه، والحركة ليست أن نتخلى عن ذواتنا ، بل أن نعرف ما الذي لا يجوز أن نفقده ونحن نتحرك، وما الذي يجب أن نغيره كي نحافظ على ما يستحق البقاء.
ومن ثم، فإن «الاستدامة» لا تعني مجرد الاستمرار، بل تعني قدرة المنظومة القيمية على البقاء فاعلة تحت ضغط التحولات؛ أن تمتلك من المرونة ما يسمح لها بالتجدد، ومن الصلابة ما يمنعها من الذوبان.
بهذا المعنى، تصبح الفلسفة الموقفية المستدامة محاولةً لبناء إنسان ثابت الجذور، متحرك العقل، يقظ الضمير، إنسان لا يعيش أسير الماضي ولا ذائبًا في المستقبل، بل قادرًا على تحويل المرجعية إلى فعل، والفكرة إلى منهج، والمنهج إلى موقف، والموقف إلى ممارسة.
وعليه، فإن هذه المقدمة لا تسعى إلى تصنيف مشروع الدكتور عقيل الخزعلي داخل مدرسة فلسفية جاهزة، بقدر ما تحاول الكشف عن موقعه في ذلك النسيج الممتد من سؤال هيراقليطس وبارمنيدس إلى سؤال الإنسان المعاصر: كيف نثبت فيما يستحق الثبات، وكيف نتغير فيما يستحق التغيير؟
ربما هنا تحديدًا يبدأ معنى الموقف؛ وربما هنا أيضًا تبدأ الفلسفة من جديد..!.
أضف تعليقاً