د. فالح الحمــراني*
يناقش البنتاغون ووكالات الاستخبارات الأمريكية تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بعد انتهاء المرحلة النشطة من الحرب مع إيران. ويشمل ذلك ليس فقط الحفاظ على بعض المنشآت العسكرية التي تضررت جراء الضربات الإيرانية الانتقامية منذ 28 فبراير، بل أيضاً نقل بعض البنية التحتية القتالية والاستخباراتية إلى خارج الشرق الأوسط. ويُقترح تعديل بعض القواعد المتبقية ونقلها تحت الأرض لحمايتها من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ.*
بحسب البيانات الرسمية، ينتشر حاليًا في المنطقة نحو 50 ألف جندي أمريكي، وحاملتا طائرات، وأكثر من اثنتي عشرة مدمرة صواريخ موجهة. ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتهما ضد إيران في 28 فبراير/شباط، ردت إيران بمهاجمة أكثر من 20 قاعدة عسكرية في المنطقة كانت الولايات المتحدة قادرة على الوصول إليها. تقع هذه القواعد في ثماني دول شرق أوسطية: السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والعراق، والأردن، والبحرين، وعُمان. علاوة على ذلك، يبدو الدمار الذي ألحقته إيران أوسع بكثير مما يصفه القادة العسكريون الأمريكيون في إحاطاتهم الدورية، إذ تشير بيانات الأقمار الصناعية إلى أضرار جسيمة لحقت بالبنية التحتية الحيوية.. ولم يعد الحديث عن النفوذ العسكري الأمريكي في منطقة الخليج مجرد رصد لعدد البوارج وحجم القواعد بل بات يدور حول فجوة آخذة في الاتساع بين هيبة القوة العسكرية، والقدرة الفعلية على تحقيق مخرجات سياسية ملموسة. وفي هذا السياق، يكشف المشهد الراهن أن لجوء واشنطن إلى لغة الإكراه والردع لم يعد كافياً لإرغام الخصوم على تغيير سلوكهم الاستراتيجي؛ وهو ما دفع أروقة; البنتاغون إلى فتح ملف مراجعة جذرية لبنيتها التحتية العسكرية في المنطقة، بعد أن تحولت القواعد الكبرى من أدوات لفرض الهيمنة إلى أهداف مستهدفة. وتُجمع القراءات الاستراتيجية على أن العجز الأمريكي عن فرض الإملاءات لا يعود إلى نقص في الترسانة العسكرية أو التفوق التقني، فالولايات المتحدة ما تزال تقبض على مقاليد قوة نارية هائلة، ومع ذلك، أثبتت المحطات الأخيرة أن غزارة النيران لا تضمن بالضرورة دفع الخصم نحو التراجع. وتتجلى هذه المعضلة في السلوك الإيراني المستمر؛ إذ واصلت طهران تفعيل ترسانتها الصاروخية وأدوات ضغطها الإقليمية، ليظل مضيق هرمز تحت رحمة معادلة عدم اليقين الجيوسياسي ومن هنا، يبرز السؤال التحليلي الأكثر إلحاحاً في دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة حول مدى قدرة واشنطن على ترجمة هذا الوجود العسكري المكلف إلى أداة ضغط سياسي ناجعة، أم أن القوة أصبحت عاجزة عن صياغة نتائجها.
تاريخياً، استند النموذج الكلاسيكي للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط إلى فكرة أن القاعدة العسكرية الثابتة هي صمام الأمان للدعم اللوجستي، والاستدامة، وفرض النفوذ المستمر، لكن هذا المفهوم شابه الكثير من التصدع مع تطور القدرات الصاروخية وبناء ترسانات الطائرات المسيرة لدى الخصوم؛ فحضور القاعدة الثابتة اليوم بات يعني معادلة معقدة تبدأ بموقع جغرافي مكشوف ومتوقع، يعقبه شلل في مرونة الحركة التكتيكية، مما يفرض حاجة مستمرة ومستنزفة لمنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، فضلاً عن الكلفة المالية الباهظة لتأمين الحماية. هذا التحول الهيكلي جعل المخططين العسكريين في واشنطن يميلون نحو فكرة الانتقال إلى هندسة وجود اقتضابي وأكثر مرونة، يعتمد على قواعد أصغر حجماً وتوزيعاً، وأكثر ديناميكية في المناورة، تجنباً لسيناريو الضربات المباغتة.
إن أي قرار تتخذه واشنطن لتقليص وجودها العسكري أو سحب جزء من قواتها سيفجر مفارقة أمنية حادة؛ فكلما حشدت الولايات المتحدة قوات أكبر، تجلت بوضوح هشاشة المنظومة القائمة أمام صواريخ الخصوم.
غير أن الإشكالية هنا لا تقف عند حدود الحسابات الرقمية للجنود، بل تمس سيكولوجية الردع في عمقها؛ فبالنسبة لطهران، لا يقتصر الأمر على عدد القوات الأمريكية، بل يرتبط بالصورة الذهنية والوعي حول إرادة واشنطن على البقاء والتحمل رغم التهديد بتلقي ضربات انتقامية. وإذا ما تراجعت الولايات المتحدة تحت وطأة التهديدات، سيُفسر ذلك إقليمياً بأن لغة الصواريخ نجحت في إجبار القوة العظمى على إعادة تكوين تموضعها، وهو ما يمنح الخصوم ما يُعَرف بـ الأثر التعليمي للحرب، ويشجعهم على تبني خيارات أكثر هجومية في المستقبل.
على المقلب الآخر، يراقب الحلفاء الخليجيون في الرياض وأبوظبي والدوحة والمنامة والكويت هذا الارتباك الاستراتيجي بقلق متزايد؛ فالرهان الخليجي لم يكن يوماً على مجرد وجود عسكري عابر، بل على مدى استدامة وثبات الضمانات الأمنية الأمريكية. وإذا شرعت واشنطن في تفكيك أو تقليص بنيتها التحتية العسكرية عقب تعرضها لضغوط، فإن الشركاء الإقليميين سيطرحون تساؤلاً جوهرياً ومصيرياً حول مدى استعداد الولايات المتحدة لحمايتهم إذا ما اندلعت أزمة تعصف بالمنطقة بعد سنوات قليلة، لا سيما وأن الاستياء يتزايد بالفعل لدى الحلفاء العرب تجاه السياسة الأمريكية وآلية إدارتها للصراع الإقليمي. والمفارقة الكبرى هنا، هي أن التراجع أو الانسحاب الأمريكي المتوقع لن يقود المنطقة نحو التهدئة أو نزع السلاح، بل سيعطي إشارة البدء لسباق تسلح إقليمي غير مسبوق، تسعى فيه كل دولة إلى تحصين أمنها بذاتها وبناء تحالفات بديلة، خارج المظلة الأمريكية التقليدية.
وفي هذا الصدد، يعتقد الخبير الروسي في الشؤون العسكرية بمجلس الشؤون الدولية الروسي، أنطون مارداسوف أن على دول المنطقة أن تتحمل مسؤولية أكبر في ضمان أمن أراضيها وأضاف: مع ذلك، تواجه واشنطن خطر أن تُظهر القوى الإقليمية، التي تواجه ضرورة إظهار مبادرة أكبر والتفاوض على اتفاقيات عدم اعتداء مع إيران سرًا، استقلالًا متزايدًا في علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة وفي مشاركتها في التكتلات الثنائية. من منظور تطوير التعددية القطبية، قد يكون هذا أمرًا إيجابيًا، ولكن بالنظر إلى تصاعد التوترات بين عدد من الدول وإسرائيل، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التصعيد في المنطقة.
*المدى
أضف تعليقاً