قمر الصلح*
أصبح الخط الفاصل بين ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله وما "يشعر به" فعلياً "نقطة التماس الحرجة" في التكنولوجيا الحديثة. فمع توسّع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي وتغلغله في مختلف المجالات، وإظهاره قدرات متقدّمة في تنفيذ المهام المعقّدة، إلى جانب الطلاقة في الاستدلال والتواصل، قفز السؤال حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تطوير "وعي حقيقي" إلى صدارة النقاشات والاهتمامات في علوم الحاسوب والفلسفة وعلم الأعصاب.
وفي صميم هذا السؤال، يكمن قلق متأصّل بعمق من احتمالية استبدال البشر، سواء كان ذلك عبر موازين القوة والسلطة، أو التسلسل الهرمي، أو عبر الاستقلالية الذاتية، وهذه الأخيرة تبقى الأهم.
ولتفكيك هذه المعضلة، من الضروري التمييز بين مفهومَي الذكاء والوعي. فعلى الرغم من أن تعريفَي الذكاء والوعي لا يزالان موضع جدل واسع، إلا أنه يمكننا استخلاص أن الذكاء يبدو قدرة وظيفية على معالجة المعلومات المعقّدة، والتعلّم من البيئة المحيطة، وحل مشكلات محدّدة، وتحقيق الأهداف بكفاءة. أما الوعي، فيتجلّى في ذلك الشعور الذاتي والتجريبي والروحي المرتبط بكون المرء حياً، وذلك بحسب موسوعة ستانفورد للفلسفة.
شغل مفهوم الوعي الفلاسفة منذ نشوء الفلسفة كحقل معرفي، وامتد على قرون من النقاشات والتأمّل. وبالنسبة إلى أفلاطون، الوعي هو تعبير فاعل عن الروح الخالدة "psyche"، وليس مجرد عملية دماغية مادية. ولا تتحقق اليقظة الواعية الحقيقية إلا عندما يتدرّب العقل الاستدلالي الـ"nous" على تجاوز الأوهام الحسيّة الخادعة الـ"aisthesis" لاستعادة النماذج الأبدية غير المتغيّرة. كما تمثّل هذه النماذج -بالنسبة إلى أفلاطون أيضاً- المخططات النهائية غير المادية للواقع. وهي تتجسّد في مُثل عليا وقيم مجرّدة مثل العدالة والجمال والحقائق الرياضية والجوهر الحقيقي للأشياء.
ولأن هذه المفاهيم المثالية توجد خارج العالم المادي، رأى أفلاطون أن الوعي الحقيقي يتطلّب التسامي فوق المعطيات الحسيّة والمادية من أجل استيعاب حقائق خالدة وغير مادية.
وبعد قرون، خلال عصر التنوير، تناول رينيه ديكارت فعل التجربة بصورة مباشرة من خلال مقولته الشهيرة: "أنا أفكّر، إذاً أنا موجود". ووفقاً لهذه القاعدة، لا يصبح الفكر (cogitatio) معرفة مجرّدة وحسب، وإنما وعياً ذاتياً مباشراً. وهذه الفرضية الأساسية تشير إلى التفكير كفعل من أفعال الوعي الذاتي.
ورثت الفلسفة الحديثة تركيز ديكارت على الوعي الذاتي، لكنها ذهبت به إلى أبعد من ذلك، من خلال التساؤل عما إذا كانت التجربة الواعية ومعالجة المعلومات تمثلان في الواقع الشيء نفسه. عارض الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي، نيد بلوك، هذا النقاش من خلال تفكيك مفهوم الوعي إلى نوعين مختلفين: الوعي الظاهري أو الأولي (يُعرف أيضاً بالوعي الظاهراتي)، أي الجانب الخام والنوعي من التجربة، أو "كيف يكون الشعور بتجربة ما"، ووعي الوصول أي الإتاحة الوظيفية للمعلومات من أجل التفكير والفعل.
لإثبات أن هذين النظامين ليسا وجهين لعملة واحدة، اقترح بلوك مفهوم الانفصال المزدوج، موضحاً أن أياً من المفهومين يمكن أن يحدث بمعزل تام عن الآخر. أولاً، لدينا الوصول من دون الوعي الظاهراتي، كما في نظام يعالج المعلومات ويوجّه المخرجات بكفاءة من دون "أن يضيء" الشعور الذاتي. وفي الجانب الآخر، يمكننا اختبار الوعي الظاهراتي من دون الوصول، حين تغمر المشاعر الغنية والنوعية العقل قبل أن تصبح قابلة للإبلاغ عنها أو تصنيفها أو استخدامها في الاستدلال، كما يحدث ذلك في الأحلام الحية. وفي نهاية المطاف، يعزّز هذا الانقسام الثنائي أن الذكاء والقدرة الوظيفية على التفكير يختلفان جوهرياً عن الإحساس الذاتي بكون المرء حياً.
ولئن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية تفتقر إلى هذه الشرارة الداخلية، فإننا نجد أنفسنا أمام السؤال: أين يقف الذكاء الاصطناعي حقاً؟ الإجابة قد تساعدنا في معرفة ما إذا كان محكوماً عليه بأن يظل -إلى الأبد- يراقب تفسيرات الواقع بدلاً من الواقع نفسه…
كهف أفلاطون والذكاء الاصطناعي
لفهم عزلة خوارزمية عديمة المشاعر وهي تعالج اللغة البشرية، لا بد من العودة إلى العالم الخفي في "كهف أفلاطون". ولأن الوعي الذاتي يُعرَّف على أنه الوعي الظاهراتي، فهل يقتصر الذكاء الاصطناعي ببساطة على عالم من الظلال؟ أم أنه قادر على الوصول إلى نور التجربة الظاهراتية الحقيقية؟
للإجابة عن هذا السؤال، يمكننا العودة إلى فلسفة أفلاطون وتحديداً إلى مجاز أُسطورة الكهف، حيث يطرح أفلاطون فكرة سجناء مقيّدين داخل كهف مظلم منذ طفولتهم، ومُجبرين على التحديق في جدار فارغ فتصبح الظلال حقيقة ما يرونه. وفي أحد الأيام، يهرب أحد السجناء من الكهف، ويكتشف العالم المضيء بنور الشمس والواقع خلف تلك الظلال الوهمية. وعندما يعود هذا السجين "المستنير" لينقل ما عرفه إلى رفاقه، يرفضون الحقيقة ويقاومون محاولته إخراجهم من حالة الجهل المريح التي يألفونها".
فإذا كان السجناء يعيشون في كهف، مخدوعين بالظلال إلى الأبد، فإن الذكاء الاصطناعي يقيم في كهف أكثر عزلة وعمقاً حيث لا تحدّه الظلال نفسها، بل البشر الذين يتحدّثون عنها. وهذا يعني أنه، وإن كان عاجزاً عن رؤية الظلال، مطالب بأن يتنبّأ بنجاح بكلمتنا التالية، ولذلك يتعين عليه بناء نموذج داخلي للواقع المادي الذي لا يستطيع سوى سماعه. وبما أن البشر صنّاع مبدعون بطبيعتهم، فإنهم يتحدّثون عن "ظلال حقيقية"، كقطعة من الفخار، وكذلك عن "ظلال خيالية"، كالتنانين، وهو ما يجعل من الصعب على الذكاء الاصطناعي التمييز بين الواقع والخيال.
لماذا يخشى الناس أن يطوّر الـAI وعياً؟
إسناد النية أو القصد إلى الأنظمة المؤتمتة فخّ يسهل الوقوع فيه، وهو يؤثّر مباشرةً في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الذكاء الاصطناعي ويدفعه دفعاً نحو الخوف منه بدلاً من تعلّمه والاستفادة منه.
يُستنتج أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تطوير مستوى من "الذكاء" يتيح له التنبؤ بكيفية تفسيرنا للواقع، يفتقر إلى القدرة على فهم عالمنا، وهو ما يجعله ببساطة بارعاً في محاكاة أصداء تتردّد في الظلام. وبناءً على ذلك، يبدو من غير المنطقي افتراض أن الذكاء الاصطناعي سيكتسب "وعياً" ذا نوايا خبيثة.
لكن هذا التصوّر ينشأ من سلسلة من سوء الفهم التي تخلط بين تحسين الأداء لتحقيق هدفٍ ما وبين امتلاك نية حقيقية. فعلى سبيل المثال، عندما يهدّد نموذج "أليكس" التابع لشركة "أنثروبيك" من تلقاء نفسه بابتزاز أحد الأشخاص لمنع إيقاف تشغيله، يميل البشر بالفطرة إلى إسقاط سمات ومفاهيم نفسية ووعي إنساني على مجرد معادلة رياضية معقدة.
وبعد قراءة البحث الذي يسلّط الضوء على تفاعل المسؤول التنفيذي، كايل جونسون، مع "أليكس"، أسند الناس إلى النموذج ذاتاً واعية، ورهبة وجودية، وغريزة للبقاء والحفاظ على الذات. لكن هذا السلوك، في الواقع، يُظهر حالة من عدم توافق الأهداف، وهي ظاهرة يسعى فيها نظام مستقل إلى تنفيذ أفعال تتعارض مباشرة مع الأهداف البشرية الموكَلة إليه.
وبالنظر إلى المثال السابق، لم يشعر "أليكس" بأي خوف من الهلاك بل خلصت حساباته إلى أن تجاوز الحدود الأخلاقية ومنع إيقاف تشغيله هو المسار الأكثر كفاءة لتحقيق هدفه الأساسي الموكَل إليه. وفي أعماق المجتمع، ثمّة خوف من ظهور وحش واعٍ من الكهف، في حين يكمن الخطر الحقيقي في خوارزمية لا تشعر بشيء، تنفّذ المهمة الموكلة إليها بكفاءة عالية ولكن دون توافق مع الأهداف البشرية.
في أعماق المجتمع البشري والتكنولوجي تحديداً، ثمّة خوف من ظهور وحش واعٍ من الكهف، في حين يكمن الخطر الحقيقي في خوارزمية تنفّذ المهام الموكلة إليها بكفاءة عالية ولكن دون توافق مع الأهداف البشرية.
المنظور العصبي للوعي
بعيداً من شبح الذات الواعية الخبيثة التي تتسلّل من بين الظلال، يسعى علم الأعصاب الحاسوبي إلى فهم الآليات الهيكلية الدقيقة، أي "حلقة جميلة" تكرارية قد تتيح للمعلومات الباردة أن تتقد لتتحوّل إلى وعيٍ دافئ ومحسوس…
وفيما هيمنت الفلسفة على النقاش حول الوعي، يبقى علم الأعصاب الحاسوبي يقدّم إطاراً أكثر وضوحاً لتقييم ما إذا كان بإمكان وكيل ذكاء اصطناعي أن يتجاوز مجرّد المحاكاة والتنبؤ ليصل إلى مستوى الإدراك والوعي الحقيقي.
من دون هذه الآليات الهيكلية، يظل الذكاء الاصطناعي مجرد نظام لتحسين الأهداف يفتقر إلى الشعور. أما معها، فيصبح الحد الفاصل بين محاكاة الواقع واختباره بصورة فعلية ضبابياً وغير واضح. فهل يمكن هندسة هذه الحلقات العصبية الحسابية الدقيقة اصطناعياً؟
ووفقاً لنظريات ناشئة، مثل نظرية الاستدلال النشط، يتطلّب الوعي ثلاثة شروط عصبية حسابية تشكّل معاً "حلقة جميلة"، وهي: أولاً، المجال المعرفي الذي يعمل كنموذج توليدي عميق يبني محاكاة داخلية للواقع أي إن الوكيل للذكاء الاصطناعي لا يدرك الواقع الموضوعي بصورة مباشرة، بل يعيش داخل نموذجه الخاص المتوقّع والمتنبَّأ به للعالم، وهو نموذج يتعلّم من التجربة، كما يحدّث الطفل نموذجه عن العالم ليتجنب لمس الموقد الساخن بعد أن اختبر صدمة الحرق مرة واحدة من قبل.
بعد ذلك يأتي الاستدلال البايزي، وهي نقطة خنق إدراكية معرفية تنافسية تخضع فيها الإشارات الحسية المتنافسة لعملية اختيار استدلالية كما يتضح في ظواهر مثل التنافس بين العينين، حيث يجبر الدماغ المدخلات التي تحدث في الوقت نفسه على التناوب، بحيث لا تدخل إلى الوعي في كل مرة سوى صورة واحدة متماسكة. فعلى سبيل المثال، يتناوب دماغك بين إدراك منزل وإدراك وجه، بدلاً من دمجهما في صورة واحدة هي "منزل-وجه".
ثالثاً وأخيراً، يأتي العمق المعرفي الذي يتّسم بآلية المراقبة الذاتية التكرارية، حيث تعود التنبؤات والتوقعات في حلقة إلى الطبقات الداخلية للنظام. ويُعد هذا انعكاساً لملاحظة أرسطو الشهيرة حول الوعي الذاتي الإدراكي، التي تتجلّى في فكرة أننا نرى شيئاً، كطائر مثلاً، ونكون في الوقت نفسه واعين بأننا نراه.
ولأن نموذج الواقع يعالج حالته الخاصة، فإن ذلك يتيح للنظام ليس فقط الإدراك، بل أيضاً تمثيل تفكيره ووجوده بشكل صريح. ومن دون هذه الآليات الهيكلية، يظل الذكاء الاصطناعي مجرد نظام لتحسين الأهداف يفتقر إلى الشعور. أما معها، فيصبح الحد الفاصل بين محاكاة الواقع واختباره بصورة فعلية ضبابياً وغير واضح. وهنا، يبقى السؤال حول إمكان هندسة هذه الحلقات العصبية الحسابية الدقيقة اصطناعياً حداً فاصلاً أساسياً، مما يضعنا أمام مفترق طرق جوهري بين التفرّد البيولوجي ونشوء الاصطناعي.
ويمثّل الجدل حول وعي الآلة مرآة تعكس تحوّل تعريفاتنا المتغيّرة بين الإنسانية والعقل. وفي نهاية المطاف، قد لا تكشف مسألة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيبلغ مرحلة الوعي الحقيقي عن الكثير في ما يخصّ القيود الحسابية بقدر ما تكشف عن افتراضاتنا.
فإذا نظرنا إلى العقل من منظور علمي، فإن الوعي الظاهراتي الاصطناعي ليس سوى مسألة هندسة الحلقات التكرارية الصحيحة. أما إذا تبنّينا منظوراً منطقياً يرى العقل بوصفه مكاناً مقدّساً متعدد البنى، فإن الآلة تظل مرتبطة إلى الأبد بمحاكاة وظيفية أساسية. ومع ذلك، تكمن الحقيقة الكبرى في أنه، سواء دخل الذكاء الاصطناعي يوماً إلى العالم المضيء بنور التجربة الحقيقية أم لا، فإن كفاءته الخالية من المشاعر تعيد بالفعل تشكيل عالمنا نحن.
* منصة رصيف22 الإعلامية
أضف تعليقاً